رسائل مُتفجّرة عابرة للحدود!
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
أميركا وأوروبا تقودان الصين نحو فائض صادرات قياسيكتبت نادين سلام في "اللواء":
لا يمكن التعامل مع إحباط محاولات تهريب المتفجرات من سوريا إلى لبنان باعتباره حدثاً أمنياً عابراً، ولا اختزال دلالاته في ضبط شحنات خطرة وتوقيف مشتبه بهم. فحين تتكرر عمليات من هذا النوع خلال فترة زمنية قصيرة، تصبح القضية أبعد من حدود الجريمة المنظمة، لتطرح أسئلة جوهرية حول أمن الحدود، وفاعلية المؤسسات، وقدرة الدولة اللبنانية على حماية قرارها السياسي من محاولات فرض الأمر الواقع بالقوة.
وتزداد خطورة هذه التطورات في ظل التصعيد الإقليمي المتواصل، والاستعدادات الإيرانية لاحتمال تجدد المواجهة العسكرية، بالتوازي مع ما أوردته تقارير صحافية عن تعزيز التحصينات حول المنشآت النووية الإيرانية وتكثيف التعبئة والتدريب في الداخل. ويأتي ذلك فيما تتشابك المسارات العسكرية والسياسية في المنطقة، وتبقى ساحات عدة عرضة للاستخدام في إطار الصراع الأوسع بين طهران وخصومها.
في لبنان، تكتسب المعلومات المتداولة عن ضبط شحنات من المواد المتفجرة يُشتبه في تهريبها من الأراضي السورية، وتوقيف شخصين ينتميان لحزب الله ، أهمية استثنائية. فهذه الوقائع، إذا ما استكملت التحقيقات إثبات تفاصيلها والجهات المرتبطة بها، تستدعي قراءة سياسية وأمنية تتجاوز الحادثة المباشرة. ولا سيما أن تكرار محاولات التهريب يثير تساؤلات عن استمرار شبكات قادرة على استغلال الثغرات الحدودية، وعن مدى نجاح السلطات السورية واللبنانية في إحكام السيطرة على المعابر غير الشرعية ومسارات نقل السلاح والمواد الخطرة.
الدلالة الأولى تتصل بقدرة الشبكات العابرة للحدود على الاستمرار في العمل، رغم التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها سوريا. فإحكام السيطرة على الحدود لا يُقاس بالإعلانات الرسمية، بل بقدرة المؤسسات على منع التهريب، وتفكيك الشبكات، ومحاسبة المتورطين. ومن هنا، يصبح التعاون الأمني بين بيروت ودمشق ضرورة مشتركة، لا مجرد خيار دبلوماسي.
أما الدلالة الثانية، فتتصل بالتوازن الداخلي اللبناني. فوجود مواد شديدة الانفجار خارج الأطر القانونية، أياً تكن الجهة التي تقف وراءها، يهدد الأمن العام ويعيد إلى الواجهة مخاوف استخدام العنف لتصفية الحسابات السياسية أو التأثير في مسار القرارات الوطنية. إن المطلوب هو التعامل مع كل خيط بجدية، بعيداً عن التسرع أو التوظيف السياسي.
أما الدلالة الثالثة، فتتصل بموقع لبنان في الصراع الإقليمي، ولا سيما في ظل التوتر بين إيران ودول الخليج، وما يرتبط به من مخاوف بشأن تحريك الأذرع المسلحة أو توسيع المواجهات. وفي هذا السياق، يبرز خطر استخدام الساحة اللبنانية ورقة ضغط في أي مفاوضات، أو توظيف التوتر الأمني لإعادة خلط الأوراق الداخلية، أو تعطيل أي مسار تفاوضي يهدف إلى تثبيت الاستقرار وحصر القرار السيادي بيد الدولة.
وقد لخّص عالم الاجتماع والمفكر السياسي الألماني ماكس فيبر جوهر هذه المسألة في محاضرته «السياسة بوصفها حرفة» ، حين عرّف الدولة الحديثة بأنها الجماعة التي تحتكر، ضمن إقليم محدد، الاستخدام المشروع للقوة المادية. وهذا التعريف لا يقتصر على الجانب النظري؛ بل يضع معياراً عملياً لقياس سيادة الدول: لا سيادة مكتملة حين تتعدد مراكز القوة المسلحة، ولا استقرار مستداماً حين تبقى الحدود منفذاً لشبكات تعمل خارج القانون.
إن التحدي أمام لبنان وسوريا اليوم لا يقتصر على ضبط شحنة هنا أو إحباط عملية هناك، بل يتمثل في بناء منظومة أمنية وقضائية قادرة على منع التهريب، وتجفيف مصادره، ومحاسبة المسؤولين عنه، بعيداً من الانتقائية والحسابات السياسية. فالدولة التي لا تسيطر على حدودها تبقى عرضة لاختراق أمنها، والدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم تظل رهينة موازين قوى تتجاوز مؤسساتها.
وعليه، فإن المطلوب من بيروت ودمشق تنسيق جدي ومستدام، ومن القضاء اللبناني تحقيق شفاف يحدد المسؤوليات استناداً إلى الأدلة، ومن القوى السياسية رفض تحويل الأمن الوطني إلى أداة تفاوض أو ابتزاز. فالمعركة الحقيقية ليست على شحنة متفجرات فحسب، بل على حق الدولة في أن تكون المرجعية الوحيدة للأمن والقرار والسيادة.