اخبار لبنان

جريدة اللواء

سياسة

السكري في لبنان: مشكلة صحية تتجاوز المرض إلى التكافل الاجتماعي

السكري في لبنان: مشكلة صحية تتجاوز المرض إلى التكافل الاجتماعي

klyoum.com

رامي ضاهر

لم يعد مرض السكري في لبنان مجرّد مشكلة صحية فردية، بل تحوّل إلى مسؤولية وطنية مهمة تتفاقم يوماً بعد يوم في ظل النقص في التوعية، الانهيار الاقتصادي، تراجع الخدمات الصحية، وغياب السياسات الوقائية. الأخطر أن هذا المرض المزمن يُقابل في كثير من الأحيان بالاستخفاف أو الاستسلام، ما يفتح الباب أمام مضاعفات جدّية قد تصل الى الوفاة تطال القلب والشرايين الدماغ، الكلى، الأعصاب، وحتى القدرة على العمل والإنتاج.

في بلد يعاني من فقر متصاعد، بطالة، ضغط نفسي، وانعدام الأمن الغذائي، يصبح مريض السكري الحلقة الأضعف، بين عجزه عن الالتزام بالعلاجات الحديثة نظرا لكلفتها من جهة، وعجز الدولة عن تأمين الحد الأدنى من التأمينات الصحية وبرامج التوعية الممنهجة من جهة أخرى.

انتشار متسارع... وأرقام مقلقة

بحسب أطلس السكري الصادر عن الاتحاد الدولي للسكري (٢٠٢٥) يُقدّر عدد المصابين بالسكري عالمياً بنحو 537 مليون شخص، مع توقّعات بارتفاع الرقم إلى 850 مليوناً بحلول عام 2050، أي أن واحداً من كل ثمانية أشخاص سيكون مصاباً.

أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فتُعدّ من أعلى المناطق السبع عالمياً من حيث نسب الإصابة، إذ يبلغ عدد المصابين حوالي 85 مليون شخص (17.6%)، مع توقّع تضاعف العدد تقريباً خلال العقود المقبلة.

في لبنان، ورغم غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة، تشير التقديرات إلى أن نسبة الإصابة تتراوح بين 13 و15% من السكان، وقد تكون أعلى فعلياً، وسبب هذه النسب المرتفعة يعود الى:

- غياب الفحوصات الدورية.

- نقص التوعية الصحية.

- النظام الغذائي المعتمد على الأطعمة الرخيصة عالية السكريات والدهون.

السكري... مرض مزمن لم يتوفر له العلاج النهائي حتى الساعة

يوضح رئيس الجمعية اللبنانية للسكري والرئيس الإقليمي السابق للاتحاد الدولي للسكري، الدكتور محمد صنديد، في مقابلة خاصة، أن السكري من الأمراض المزمنة التي لا علاج شافياً لها حتى اليوم، بل تعتمد إدارتها على المتابعة المستمرة، الالتزام بالعلاج، وتغيير نمط الحياة.

ويشرح أن المرض ينشأ نتيجة:

- عجز خلايا بيتا البنكرياسية عن إفراز الأنسولين.

- أو عدم قدرة الجسم على استخدام الأنسولين بفعالية.

ويضيف أن السكري من النوع الأول (٥٪ من أعداد المصابين) والذي يصيب الأطفال واليافعين لا يمكن تفادي الإصابة به وعلاجه المؤكد بالأنسولين نظرا للعجز في إنتاج هذا الهرمون وأي تأخّر لأخذ حقن الأنسولين يعرّض الطفل للغيبوبة وربما الوفاة.

السكري من النوع الثاني، المرتبط بنمط الحياة والسمنة وقلة الحركة، هو الأهم لأنه الأكثر انتشاراً، وفي الوقت نفسه يمكن تفاديه إذا التزمنا بالمحافظة على الوزن الطبيعي والغذاء الصحي والحركة الجسدية اليومية حيث أثبتت الدراسات ان التخلص من١٠٪ من زيادة الوزن تقي الإنسان من الإصابة بالسكري وخاصة عند الأشخاص الذين ينتمون الى عائلة عندها تاريخ في الإصابة بالسكري.

وشدّد د. صنديد على أهمية التنبّه الى مرحلة ما قبل السكري والمتمثلة بنتائج سكر الدم الصيامي بين ١٠٠ و١٢٥ بالإضافة الى عوامل الخطورة التي تؤدي الى الإصابة بالسكري، كالسمنة والضغط والدهنيات والتدخين وعدم الحركة والطعام غير الصحي. يضاف عامل خطورة مهم هو التذاكي وادّعاء المعرفة المغلوطة كعدم الاكتراث بمرحلة ما قبل السكري ولسيدات العلاجات الطبية بالأعشاب أو غيرها.

للأسف أكثر من نصف المعرّضين للإصابة بالسكري أو مرحلة ما قبل السكري يعيشون من دون علمهم بهذه الحالة أو يكتشفونها ولا يتخذون أي إجراء، رغم أن:

- خسارة الوزن الزائد.

- تحسين النظام الغذائي.

- زيادة النشاط البدني.

تعيد مستوى السكر إلى الطبيعي وتمنع الإصابة بالسكري نهائياً.

السكر التراكمي: (تخزين السكر)(HbA1c)

الفحص المفترض اجراؤه كل ثلاثة أشهر مؤشر مهم لمراقبة ضبط السكر ومعدله الطبيعي دون الـ٦.٥٪ عند مرضى السكري.

يشدّد د. صنديد على العلاقة المباشرة بين HbA1c (السكر التراكمي) ومضاعفات السكري، مؤكداً أن:

- خفضه بنسبة 1% يقلّل خطر الوفاة بنسبة 21%.

- يقلّل خطر أمراض الأوعية الدموية بنسبة 37%.

- يقلّل خطر النوبات القلبية بنسبة 14%.

ورغم هذه الحقائق العلمية، فإن الغالبية الساحقة من مرضى السكري في لبنان لا تتابع فحوصاتها بانتظام، إما بسبب الكلفة، أو الإهمال، أو فقدان التوعية الصحية.

الضغط النفسي والأعباء المادية والمهنية والاجتماعية: عوامل مهمة يعيشها مرضى السكري لا يمكن فصلها عن حدوث المضاعفات وانتشار السكري في لبنان عن الواقع النفسي يبدأ عند اكتشاف المرض بالقلق، الاكتئاب، الانكار، وللأسف قد تطول هذه المرحلة عند البعض قبل الوصول الى مرحلة التقبّل بالواقع والتعايش مع السكري باعتماد المعرفة ولا شك بان العامل المادي المضاف الى العوامل النفسية والاجتماعية يؤدي الى عدم ضبط السكر في الدم وتضعف قدرة الجسم على الاستجابة للعلاج.

ويؤكد صنديد أن السكري: «ليس مرضاً طبياً فقط، بل نفسي واجتماعي ومهني، يرافق المريض مدى الحياة».

كثير من المرضى:

- يخجلون من مرضهم.

- يخفون إصابتهم في العمل.

- يتعرضون للتمييز أو الحرمان من حقوقهم الوظيفية.

- يعجزون عن تحمّل كلفة العلاج والفحوصات.

كارثة صحية محتملة

يحذّر الأطباء من أن استمرار الإهمال قد يؤدي إلى:

- البتر.

- ازدياد حالات الفشل الكلوي.

- تزايد الجلطات القلبية والدماغية المرتبطة بالسكري.

- خسارة شريحة واسعة من القوى العاملة.

علماً أن كل 6 ثوانٍ يموت شخص في العالم بسبب السكري، وأن تكلفة المرض عالمياً تجاوزت تريليون دولار سنوياً، في حين تستثمر دول المنطقة القليل جداً في الوقاية.

بين الدولة والمجتمع: من يتحمّل المسؤولية؟

يشدّد صنديد على أن مواجهة السكري في لبنان تتطلب:

- استراتيجية وطنية واضحة.

- دعم الأدوية والأنسولين والمستلزمات.

- برامج وطنية فحص للاكتشاف المبكر.

- إدخال التوعية الصحية إلى المدارس.

- حماية مرضى السكري في بيئة العمل.

ويختم بالقول: «الوقاية ليست ترفاً، بل ضرورة وطنية. كل دولار يُستثمر في التوعية، يوفّر خمسة دولارات من كلفة المضاعفات».

إذاً، السكري في لبنان لم يعد مجرد تشخيص طبي، بل مؤشر مهم على تدهور الصحة العامة، ومرآة لانهيار اجتماعي واقتصادي أوسع. وبين الإهمال الفردي وغياب القرار الرسمي، يبقى المواطن اللبناني الخاسر الأكبر، ما لم يُكسر هذا الصمت قبل فوات الأوان.

*المصدر: جريدة اللواء | aliwaa.com.lb
اخبار لبنان على مدار الساعة