الاستثمار السهل في السياحة: فرصة اقتصادية أم فوضى مقنّعة؟
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
بالصورة هذه تفاصيل جنازة دلال كرممع اقتراب شهر رمضان، يعود الحديث بقوة عن السياحة في لبنان، لكن هذه المرة من زاوية مختلفة. فالمشهد العام يوحي بأن البلاد تقف على عتبة موسم استثنائي، تحرّكه حركة لافتة في افتتاح المطاعم والمقاهي والمنتجعات ودور الضيافة، لا سيما خارج العاصمة وفي المناطق الجبلية التي باتت تستقطب الزوار بحثًا عن أجواء هادئة وتجارب مختلفة. هذا الحراك لا يبدو عابرًا، بل يعكس توجّهًا متناميًا نحو التعويل على السياحة كمتنفّس اقتصادي في مرحلة شديدة الحساسية.
اللافت أنّ القطاع السياحي لم يعد حكرًا على أصحاب الخبرة الطويلة أو المؤسسات الكبرى، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى مساحة مفتوحة أمام أي مستثمر، صغيرًا كان أم كبيرًا. فبات من السهل نسبيًا دخول هذا المجال بمشاريع متنوّعة، من مطاعم شعبية ومقاهٍ موسمية، إلى شاليهات وبيوت ضيافة ومنتجعات مصغّرة. هذا الواقع أدّى إلى تضخّم ملحوظ في عدد المشاريع السياحية، وخلق حالة من التنافس الحاد، خصوصًا في فترة رمضان التي تُعدّ فرصة ذهبية لتحقيق مردود سريع.
لكن خلف هذا المشهد النشط، تبرز أسئلة جوهرية لا يمكن تجاهلها. فهل يواكب هذا التوسّع السريع أي تنظيم فعلي للقطاع؟ وهل تخضع هذه المشاريع لمعايير واضحة على صعيد الجودة والسلامة والنظافة والالتزام بالشروط القانونية والبيئية؟ كما يطرح هذا الواقع تساؤلات حول قدرة البنية التحتية على تحمّل هذا الضغط، من طرقات وكهرباء ومياه، وصولًا إلى الخدمات الأساسية التي تشكّل عنصرًا حاسمًا في أي تجربة سياحية ناجحة.
من جهة أخرى، يرتبط الرهان على «ثورة سياحية في رمضان» بعوامل تتجاوز القطاع نفسه، في مقدّمها الاستقرار الأمني والسياسي، وحركة الوافدين، والقدرة الشرائية للمواطنين والمغتربين على حدّ سواء. فالتفاؤل القائم اليوم يبقى هشًّا وقابلًا للتبدّل عند أي طارئ، ما يجعل من الضروري مقاربة هذا الحراك بعين واقعية، بعيدًا عن المبالغة أو التهويل.
الأشقر: الاستثمار في المطاعم بات أقل كلفة
في حديث لموقع «لبنان الكبير»، قدّم رئيس اتحاد النقابات السياحية ونقيب أصحاب الفنادق بيار الأشقر قراءة واقعية لما يُتداول عن «فورة سياحية» مع اقتراب شهر رمضان، واضعًا الأرقام والمعطيات في إطارها الصحيح، ومفرّقًا بين ما يُوصف بالاستثمار الفعلي وما هو مجرّد نشاط موسمي أو مبادرات فردية محدودة.
يؤكّد الأشقر أنّ ما يُلاحظ اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي لا يعكس بالضرورة واقع استثمارات كبرى في القطاع السياحي، لا سيما في مجال الفنادق. ويوضح أنّ «الاستثمار في المطاعم بات أسهل وأقل كلفة، إذ يمكن لأي مستثمر أن يفتتح مطعمًا بمبالغ محدودة نسبيًا، قد تبدأ بعشرات آلاف الدولارات وتصل، في الحالات الكبيرة، إلى حدود المليون دولار»، في حين أنّ «الاستثمار الفندقي يختلف كليًا، إذ إن أقل فندق يحتاج إلى ما لا يقل عن عشرة ملايين دولار، وقد تصل الكلفة إلى مئات الملايين».
ويشير إلى أنّ ما يُروَّج له على أنّه «هجمة استثمارية» هو في معظمه مبادرات فردية، كتحويل شقق أو بيوت إلى أماكن إقامة سياحية أو بيوت ضيافة، يتم ترميمها وعرضها عبر المنصات الرقمية. ويقول: «هذه ليست استثمارات فندقية جديدة بالمعنى الحقيقي، بل محاولات للاستفادة من ممتلكات قائمة، خصوصًا في المناطق النائية أو الجبلية، حيث تُرمَّم بيوت قديمة وتُفتح بعدد محدود من الغرف».
أما في ما خصّ الفنادق الكبيرة والمنتجعات السياحية التي تضم مئات الغرف، فيؤكّد الأشقر أنّ «لا مشاريع جديدة من هذا النوع ظهرت في الفترة الأخيرة»، لافتًا إلى أنّ ما يجري حاليًا يقتصر على «استكمال أو إعادة تأهيل مؤسسات كانت موجودة قبل انفجار مرفأ بيروت عام 2020، ويعمل أصحابها على استثمار ما سبق أن ضُخّ فيها بدل تركها مهجورة».
وعن مستقبل القطاع، يربط الأشقر أي انتعاش حقيقي بتوافر شروط أساسية، في مقدّمها الاستقرار الأمني والسياسي، لكنه يشدّد في المقابل على أنّ جذب الاستثمارات الكبرى يحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك، قائلًا: «السياح يأتون مع الاستقرار، لكن المستثمرين يحتاجون إلى إصلاحات فعلية، إدارية وقضائية ومالية، إضافة إلى قطاع مصرفي فاعل قادر على تمويل المشاريع الكبرى. من دون مصارف وقروض، لا يمكن الحديث عن استثمارات فندقية حقيقية».
وبالنسبة إلى التحضيرات لشهر رمضان، يوضح الأشقر أنّ القطاع يتمتّع بجهوزية عامة، مع تسجيل حركة حجوزات محدودة حتى الآن، تتركّز بشكل أساسي في مناطق التزلج، حيث يُلاحظ إقبال من سياح خليجيين، لا سيما من الكويت، إضافة إلى زوار من مصر والإمارات. أما بيروت، فيؤكّد أنّ «حركتها لم تبدأ فعليًا بعد، لكنها عادة ما تنشط خلال شهر رمضان والأعياد، في حال استمر الوضع الأمني على ما هو عليه».
وفي ما يتعلّق بالأسعار، يلفت الأشقر إلى أنّ «المطاعم لا تملك هامشًا واسعًا لرفع الأسعار، وهي ملزمة بالسقوف المحدّدة»، فيما تبقى أسعار الفنادق خاضعة لتسعيرات وزارة السياحة، مشيرًا إلى أنّ «الأسعار الحالية أدنى بكثير من تلك التي كانت سائدة سابقًا، باستثناء فترات الذروة كالأعياد ورأس السنة».
وعن الجدل المتكرّر حول السلامة الغذائية، يوضح الأشقر أنّ بعض المخالفات التي تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي «لا يمكن تعميمها على القطاع ككل»، معتبرًا أنّ «وجود مؤسسات غير مرخّصة أو غير مصنّفة يسيء إلى صورة السياحة اللبنانية». ويضيف: «الأخطاء واردة في أي مكان في العالم، لكن تصوير الأمر وكأنّه ظاهرة عامة في لبنان غير دقيق وغير منصف».
ويختم الأشقر بالتأكيد أنّ القطاع السياحي لا يزال يشكّل ركيزة أساسية للاقتصاد اللبناني، لكنه يقف اليوم عند مفترق طرق، بين فرص موسمية محدودة وحاجة ماسّة إلى تنظيم وإصلاح ورؤية طويلة الأمد تعيد الثقة وتحول الحركة الحالية إلى استثمار مستدام.
وفي جولة ميدانية أجراها موقع «لبنان الكبير» على عدد من المطاعم والمقاهي، برزت صورة متقاربة في آراء العاملين وأصحاب المؤسسات السياحية، تعكس حراكًا ملموسًا في القطاع، وإن كان محاطًا بالحذر وعدم اليقين. فبين تحسّن نسبي في الحركة اليومية وازدياد عدد المشاريع الجديدة، يبرز قلق مشترك من غياب التنظيم والمعايير الواضحة.
في بيروت، يلاحظ عاملون في المطاعم تحسّنًا تدريجيًا في وتيرة العمل مقارنة بالفترات السابقة، ما ينعكس إيجابًا على مداخيلهم، وإن بشكل محدود. ويؤكّد هؤلاء أنّ أي تحسّن، مهما كان بسيطًا، يشكّل متنفسًا للعاملين الذين يعتمدون بشكل أساسي على حركة الزبائن، إلا أنّ هذا التحسّن يبقى هشًّا ومرتبطًا بالوضع العام وقدرة الناس على الإنفاق.
في المقابل، تشير شهادات من مناطق جبلية إلى أنّ الإقبال يتركّز في أوقات محدّدة، لا سيما خلال عطلة نهاية الأسبوع، حيث بات كثيرون يفضّلون هذه المناطق هربًا من ضغط المدينة. غير أنّ هذا الإقبال يترافق مع ظاهرة لافتة تتمثّل في افتتاح عدد كبير من المطاعم والمقاهي الجديدة، بعضها يفتقر إلى الجهوزية والتنظيم، ما يثير مخاوف من انعكاس سلبي على صورة القطاع ككل.
مديرو المطاعم، بدورهم، يلفتون إلى أنّ القطاع يشهد توسّعًا سريعًا، مدفوعًا بسهولة الدخول إليه وانخفاض كلفة الاستثمار مقارنة بقطاعات أخرى. هذا الواقع خلق منافسة حادّة، لكنه في الوقت نفسه أفرز حالة من الفوضى في ظل ضعف الرقابة وغياب المعايير الموحّدة، ما يضع المؤسسات الملتزمة أمام تحديات إضافية.
أما أصحاب المقاهي والمطاعم الذين دخلوا السوق حديثًا، فيرون في السياحة أحد آخر القطاعات القادرة على تحريك العجلة الاقتصادية، لكنهم لا يخفون قلقهم من ارتفاع الكلفة التشغيلية وغياب الدعم الرسمي وعدم وضوح القوانين الناظمة. ويجمع هؤلاء على أنّ أي استثمار في هذا المجال يحتاج إلى بيئة منظّمة تضمن الاستمرارية، لا إلى مغامرة قصيرة الأمد.