اخبار لبنان

الهديل

سياسة

خاص الهديل:هل تخلّت "قسد" عن اللامركزية السياسية؟

خاص الهديل:هل تخلّت "قسد" عن اللامركزية السياسية؟

klyoum.com

أخر اخبار لبنان:

قصف مدفعي يستهدف الخيام

خاص الهديل….

كهرمان….

لطالما شكّلت اللامركزية السياسية حجر الزاوية في خطاب «قوات سوريا الديمقراطية» خلال أي حوار مع الحكومة السورية. مطلبٌ قُدِّم بوصفه ضمانة لحقوق المكوّن الكردي، ووسيلة لحماية خصوصية شمال وشرق سوريا من عودة المركزية الصلبة التي حكمت البلاد لعقود. غير أنّ التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة، وما رافقها من تفاهمات مباشرة بين دمشق و«قسد»، تشير إلى تحوّل واضح في السقف السياسي لهذا الطرح، من اللامركزية السياسية إلى اللامركزية الإدارية.

هذا التحوّل تجلّى بوضوح في الاتفاق الجديد بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد "قسد"مظلوم عبدي، والذي تضمّن بنوداً تُعدّ الأجرأ منذ اندلاع الصراع السوري، لا سيما ما يتعلق بإعادة هيكلة العلاقة بين الدولة المركزية والقوى المسيطرة فعلياً على الأرض في الشمال الشرقي.

أبرز ما في الاتفاق، كان الإقرار بخصوصية المناطق الكردية ضمن إطار الدولة السورية، وهو بند يحمل دلالات سياسية عميقة، رغم صياغته الحذرة. فالحديث عن الخصوصية هنا لا يذهب باتجاه كيان سياسي مستقل أو حكم ذاتي بالمعنى الفيدرالي، بل يُدرج ضمن مقاربة إدارية وأمنية جديدة، تُبقي السيادة بيد الدولة، وتمنح في الوقت نفسه هامش إدارة محلية أوسع.

الاتفاق نصّ كذلك على إخلاء مدينة عين العرب (كوباني) من المظاهر العسكرية الثقيلة، واستبدالها بقوة مدنية من أبناء المدينة، في خطوة تهدف إلى نزع الطابع العسكري عن واحدة من أكثر المدن رمزية في الصراع السوري. هذه الخطوة، إن نُفذت فعلياً، تمثل انتقالاً من منطق “الإدارة بالقوة” إلى منطق “الإدارة المدنية”، وهو مطلب طالما ردّدته دمشق في مواجهة "قسد".

الأكثر حساسية، وربما الأكثر تعقيداً، هو بند دمج العناصر العسكرية والأمنية لـ"قسد" ضمن هيكليتي وزارتي الدفاع والداخلية السورية بشكل فردي، بعد إجراء التدقيق الأمني اللازم، مع منحهم الرتب العسكرية والمستحقات المادية واللوجستية أصولاً. هذا البند يضع نهاية تدريجية لفكرة "الجيش الموازي"، ويعيد طرح مسألة احتكار الدولة للسلاح بوصفها شرطاً أساسياً لأي حل سياسي مستدام.

لكن اللافت في كل ذلك، أن هذا الدمج لم يُطرح مقابل تنازل مجاني، بل تزامن مع تعهّد واضح بـحماية خصوصية المناطق الكردية، وهو ما يعكس تسوية وسطية بين مطلب "قسد" السابق باللامركزية السياسية، وإصرار الدولة السورية على وحدة القرار السياسي والعسكري.

السؤال الجوهري هنا: هل نحن أمام تحوّل تكتيكي فرضته موازين القوى والضغوط الإقليمية، أم أمام تحوّل استراتيجي في رؤية "قسد" لمستقبلها داخل الدولة السورية؟

الواقع يشير إلى أنّ اللامركزية السياسية، بصيغتها السابقة، لم تعد قابلة للتسويق لا داخلياً ولا إقليمياً، في ظل رفض تركي قاطع، وتحفّظ روسي، وبرود أميركي متزايد. في المقابل، تبدو اللامركزية الإدارية خياراً أقل استفزازاً، وأكثر قابلية للإدماج ضمن الدستور السوري، إذا ما أُعيد تعريفها كأداة لتحسين الإدارة المحلية، لا كمدخل لتقاسم السيادة.

من جهة دمشق، يشكّل هذا الاتفاق اختباراً حقيقياً لخطاب الدولة الواحدة: هل ستتعامل مع الخصوصية الكردية بوصفها حقاً ثقافياً وإدارياً مشروعاً، أم ستعيد إنتاج المركزية القديمة بأدوات جديدة؟ نجاح التجربة أو فشلها لن يُقاس بالنصوص، بل بمدى تطبيقها على الأرض، وبقدرة الدولة على بناء ثقة مفقودة منذ سنوات.

في المحصلة، يبدو أننا في مرحلة الانتقال من اللامركزية السياسية إلى الإدارية، ومن هنا تبدو اللامركزية الإدراية هي تحوّل في طبيعة الصراع نفسه: من صراع على الكيان والهوية، إلى صراع على شكل الدولة وآليات إدارتها. وهو تحوّل، إن أُحسن التعامل معه، قد يفتح نافذة نادرة لإعادة دمج الشمال الشرقي في الدولة السورية، لا بالقوة، بل بالتسوية.

أما إذا أُفرغ من مضمونه، فسيبقى مجرد هدنة سياسية مؤقتة، بانتظار جولة جديدة من الخلافات المؤجَّلة.

*المصدر: الهديل | alhadeel.net
اخبار لبنان على مدار الساعة