اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة الأنباء
نشر بتاريخ: ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٥
بيروت ـ جويل رياشي
احتضنت قاعة كاتدرائية النبي إلياس في الخنشارة بالمتن الشمالي الاحد الماضي ندوة ثقافية فنية تحولت سريعا إلى لحظة وجدانية نادرة ضمن احتفالات مئوية منصور الرحباني، نظمها المجلس البلدي للخنشارة والجوار.
منذ الرابعة تماما، وعلى مدى ساعة ونصف الساعة، بدا وكأن الزمن توقف: الحضور غاص في رحلة دافئة وعميقة في ارث منصور الرحباني الفني، قاده فيها نجل صاحب الذكرى، المؤلف الموسيقي أسامة الرحباني، ومعه الشاعر هنري زغيب ود.ناجي قزيلي. ثلاثي أخذ القاعة إلى مساحة تجمع جمال الكلمة ورهافة الشعر ومتعة البحث، حتى قالت إحدى السيدات القادمات من قرية مجاورة ان ما عاشته كان «أجمل ما يمكن أن يقدم في عالم الكلمة والشعر».
ثلاثة محاور.. وذاكرة واحدة
توزعت الندوة على ثلاثة محاور أساسية، أدارها عماد سماحة بسلاسة وانسيابية، وتعاقب عليها الضيوف الثلاثة.
واستهل أسامة الرحباني اللقاء بعودة حنونة إلى زياراته طفلا مع والدته تيريز إلى منزل والدة ابن البلدة النائب ملحم الرياشي، الحاضر بين الجمهور. وقال عن قرى المتن الشمالي: هنا ترعرع عاصي ومنصور. من هذه البقعة استوحيا شخصيات أعمالهما.
وانتقل أسامة إلى محطة انفراط الثنائية بعد رحيل عاصي في 21 يونيو 1986، موضحا أن الأمر «كان متوقعا»، وأن منصور استعد لغياب توأمه الفني بعد الأزمة الصحية الأولى لعاصي عام 1972 واشتداد المرض في أوائل الثمانينيات، وأضاف «بعد غياب عاصي استقام كالرمح. وقال: الحياة قاسية ولكن هناك واقع يجب ان نتقبله».
وتوسع في الحديث عن بدايات الأخوين، وتأثرهما بشعر سعيد عقل، وامتلاكهما «أسلحة كثيرة» كما قال ضاحكا: الموسيقى، المسرح، الشعر... ومنها انطلقت مسرحية صيف 840. وكشف عن دور أستاذ التاريخ عصام خليفة الذي قال له يوما: «قل لوالدك ان يعمل شيئا عن تاريخ لبنان»، فنقل الرسالة.
ولم يخل كلامه من أسرار عائلية ـ فنية، منها أن أغنية «عتاب» التي غنتها لاحقا فيروز كانت قد أعدت أساسا لخالته التي أحبها عاصي قبل لقائه بفيروز. كما تحدث عن السوداوية التي دخلت عالم منصور تحت وطأة مرض اخيه.
واشار إلى سعة صدر منصور في تقبل آراء النقاد، مشيرا إلى أن الصحافية الراحلة لور غريب قالت لمنصور بعد عرض «المحطة»: «كتير باردة»، فاستجاب وعدل الجزء الأخير منها.
ورأى اسامة أن نقطة التحول الحقيقية في المسرح الرحباني انطلقت من «أيام فخر الدين»: «طرح وطني، افتداء الآخرين، ونظرة لما يعني سقوط لبنان». وختم مؤكدا: «لم يأت اثنان مثلهما». وكشف ختاما عن «عمل موسيقي ضخم هو عرض ديوان «اسافر وحدي ملكا» ملحنا في ختام نشاطات المئوية، في 13 يناير 2026 لمدة يومين، مجانا، مع آلية للحجز».
هنري زغيب.. منصور الشاعر المظلوم
اما الشاعر هنري زغيب فحمل الحضور إلى عالم الأخوين الشعري، قائلا «منصور كان صديقا.. ولا أدري إن كنت أستطيع فصل الصديق عن الشاعر»، وأكد أنه اختار الكلام عن «منصور الشاعر» لأنه «مظلوم كشاعر».
وتحدث عن خصوصية شعر منصور، جمال مفرداته، وهاجسه الدائم بالموت والغياب. ثم تلا قصائد لمنصور، فاشتعلت القاعة تصفيقا. وروى طرفة حصلت معه مع الأخوين: «كنت كلما أسأل عاصي عن عمل ما وأشيد به، يقول: مش أنا.. منصور. أما منصور فكان يجيب دائما: مش أنا.. المعلم».
ناجي قزيلي.. الروحانية في أعمال منصور
أما د.ناجي قزيلي، زميل أسامة على مقاعد الدراسة، فاختار محور «الروحانية في أعمال منصور»، وقال «لم ألتق بشخص بهذه الأهمية. أسميته العظيم منصور. كان يفتح النقاش معي ويشعرني أنني مهم رغم صغر سني. علم الأجيال التواضع».
وتناول البعد المسيحاني واللاهوتي في أعمال الأخوين ثم منصور منفردا، واعتبرها «فكرة لا تقبل المساومة». وطالب بترجمة أعمالهما إلى اللغات العالمية «لأنها تتجاوز أعمالا اجنبية ذائعة الصيت»، وأشار إلى أن الأخوين «أعادا صياغة الفكر المسيحي، لا نصوص الإنجيل»، مستشهدا بشخصية غربة في جبال الصوان التي «تخطت جان دارك وتفوقت عليها، لأنها جاءت لتقول إنها هي البشرية».
ختام.. ونقاشات لا تنتهي
بعد ساعة ونصف مرت سريعا، اختتم هنري زغيب اللقاء بقصيدة، لكن الجمهور لم يغادر قبل أن يحيط بالمتحدثين لنقاشات جانبية طالت بقدر الندوة، وكأن الحضور لا يريد لهذه الرحلة في الذاكرة الرحبانية أن تنتهي.











































































