اخبار الاردن

صحيفة السوسنة الأردنية

سياسة

سانت – إكزوبيري: نحلة الجنوب

سانت – إكزوبيري: نحلة الجنوب

klyoum.com

يُختتم في العاصمة الفرنسية باريس معرض طريف في الشكل والمحتوى والغرض بعنوان «وردة، ألف من العوالم، نظرات متقاطعة»، مخصص لـ «الأمير الصغير»، رواية الأديب والطيّار الفرنسي أنطوان دو سانت ـ إكزوبيري (1900 ـ 1944) الشهيرة. والمناسبة هي الذكرى الـ 80 لصدور الطبعة الفرنسية الأولى من الرواية سنة 1946 ضمن منشورات غاليمار في باريس، بعد أن كانت قبلئذ قد صدرت في نيويورك، منفى سانت ــ أكزوبيري الاختياري جراء سقوط فرنسا تحت الاحتلال النازي.

ولا جديد، وإن كان مطلوباً التذكير الدائم، في أنّ الرواية ظاهرة أدب وترجمة ونشر فريدة ضمن اعتبارات عديدة، لعلّ أبرزها معطيات من الطراز التالي: أنها الأكثر ترجمة في العالم بعد الكتاب المقدس، إذ نُقلت إلى نحو 600 لغة ولهجة (والعربية بالطبع، وبين الأفضل في يقين هذه السطور ترجمة الصديق الكاتب المغربي محمد المزديوي)؛ وصدرت بالتالي في 130 مليون نسخة ورقية، أو موادّ سمعية وبصرية مختلفة. وخُصص لها متحف مستقلّ في اليابان، وأعمال أوبرالية ومسرحية في العديد من البلدان شرقاً وغرباً، ودخلت إلى المناهج المدرسية في عشرات البلدان، بما في ذلك المغرب ولبنان…

وليس هنا المقام الملائم لتثمين «الأمير الصغير» في الحدود الدنيا المطلوبة، حسب فرائدها الكثيرة المتنوعة على أصعدة أخلاقية وتربوية وفلسفية، أو امتيازاتها الأدبية واللغوية والأسلوبية، وبراعة قراءة الكون والوجود والحياة من باصرة طفولية لا تتكلف العفوية ولا تتحصن خلف الفطرة. غير أنّ واحدة من أبرع أمثولاتها، في يقين هذه السطور هنا أيضاً، أنّ الأمير الصغير القادم من كوكب آخر، طلب من الراوي أن يرسم له صورة خروف كي يدرك ماهيته، وبعد عدد من المحاولات الفاشلة، يستقرّ الأخير على رسم صندوق مغلق، ويخاطب الأمير: هو ذا الخروف، داخل الصندوق!

غير أنها مناسبة مواتية لإنصاف سانت ــ أكزوبيري نفسه، الأديب/ الطيّار الذي أنصف مفهوم الجنوب وفكرته ودروسه: جنوب الجغرافيا، وجنوب البشر، وجنوب العبقرية الأخرى الخبيئة. ولا يصحّ أن تُنسى أو تُغفل دلالاتها العديدة، والسياسية والثقافية منها تحديداً، في أقوال مثل هذه بتوقيع الرجل: «بغتة، اكتشفنا وجود نفس بشرية أخرى… في الجنوب»، أو: «علّمنا الجنوب أن نرى ما وراء الحجاب»، وكذلك: «اكتشفنا عبقرية الصحراء، في رفيف نحلة الجنوب»…

وخلال بواكير القرن الماضي، كانت مخيّلة البشر عن الطيران قد تملكت فرانز فرانز كافكا حين كتب ذلك النصّ الأخاذ عن العرض الجوي في مدينة بريشيا الإيطالية سنة 1909، ودفعت فيليبو مارينيتي إلى وضع بيان المدرسة المستقبلية في الأدب والفن، السنة ذاتها؛ واستولت على المعماري الفرنسي لوكوربوزييه، حين هتف بحماسة: «الطائرة هي طليعة الجحافل الزاحفة باسم العصر الجديد».

لكنّ الطيران عند سانت ــ إكزوبيري بدأ، وهكذا ظلّ في الجوهر رحلة استعارات مفتوحة مترابطة يمكن أن تبدأ من إيصال بريد الجنوب إلى بقاع نائية بكر هي «أرض البشر»، عنوان عمله اللامع بدوره؛ وليس لها أن تنتهي حيث يموت «الأمير الصغير»، ليحيا ويُخلّد مثل عنقاء. كان هذا المعنى الحافل هو بوصلة سانت ــ إكزوبيري وأنيس وحشته في ساعات الطيران الممضاة بين تولوز الفرنسية إلى أليكانته الإسبانية، نزولاً صوب جنوب غرب أفريقيا، نحو الدار البيضاء ودكار، ثمّ عبور الأطلسي إلى جنوب أمريكا، نحو بيونس أيريس وريو وسانتياغو وأسانسيون وباتاغونيا…

و»بريد الجنوب» روايته التي صدرت عام 1928، حملت العبء الأكبر والأبكر، في تمثيل ارتطام معاني كينونته الأوروبية إزاء معاني كينونات الآخرين على أرضهم وتحت سماءاتهم. كان سانت ــ إكزوبيري آنذاك واقعاً تحت تأثير مواطنه الفيلسوف بيرغسون في جانب حاسم، هو فكرة التصارع الدائم بين المطلق الثابت والكون المتطور المتحوّل. وأعظم الأجزاء في ذلك العمل الروائي الفلسفي الصافي كواحدة من أبرز سجاياه، هي تلك التي تدور حول ميتافيزيقا الزمن والحركة والتبدّل، ورغبة اختراق القشرة السطحية من أي واقع مُعطى، وتوق الوصول إلى العَصيّ المستغلق.

ولا عجب، في حاشية ضرورية بدورها حول مواقفه السياسية، أنه رفض سلطات فيشي كما تحفظ على سياسات الجنرال دوغول، فاستحق عقاب النفي من الجهة الأولى والاستبعاد من الثانية، إلى درجة أن مؤلفاته مُنعت في مناطق «فرنسا الحرّة»ـ مثل المصير الذي لاقته من قبل خلال نظام موالاة الرايخ الثالث. والأرجح أنّ ساعات التحليق في سماوات الجنوب كانت دليله إلى تلمّس التنوّع لدى الآخر، في عبقرية الصحراء ونحلة الجنوب، وفي نقائض بلده فرنسا والغرب إجمالاً.

وذات يوم اعتبر الناقد الأمريكي كريستوفر مورلي أنّ «سانت ــ إكزوبيري هو جوزيف كونراد الفضاء»، فأكمل الأديب الفرنسي أندريه موروا المقارنة: «مثل كونراد، كان سانت ــ إكزوبيري شاعراً، ومثل كونراد الملّاح الشجاع، كان سانت ــ إكزوبيري ملّاح جوّ شجاعاً». ومعرض «وردة، ألف من العوالم، نظرات متقاطعة» الباريسي لا يكتفي باستعادة هذه والعشرات سواها من فضائل الأديب/ الطيار، بل ثمة الكثير من المغزى الراهن، السياسي والأخلاقي والاجتماعي والثقافي، في الغرب المعاصر تحديداً، حيث تتصاعد النزعات العنصرية وتيارات كراهية الآخر، وتضخّم الذوات العرقية، وعربدة القوّة والنهب والبطش.

*المصدر: صحيفة السوسنة الأردنية | assawsana.com
اخبار الاردن على مدار الساعة