الأردن حين يتكلم من حافة النار
klyoum.com
أخر اخبار الاردن:
المركز الوطني لحقوق الإنسان يطلق تقريره السنوي الـ22 من العقبةهناك، في القاعة التي تجتمع فيها ذاكرة العالم السياسية، وقف الأردن.
وقف الملك عبدالله الثاني وفي خلفية المشهد شرق أوسط تتكاثر فوقه الحرائق، وتتزاحم على خرائطه مشاريع القوة، وتبحث شعوبه عن نافذة صغيرة يدخل منها بعض الهواء.
لحظة كهذه، لا تحتمل فائض الكلام.
فالمنطقة تعرف ثمن الكلمات حين تتأخر، وتعرف ثمن الصمت حين يصبح عادة، وتعرف كذلك أن الأرض التي تترك طويلا تحت رحمة القوة، تستيقظ ذات يوم على جغرافيا أخرى.
لهذا جاء خطاب الملك من مكان أعمق من السياسة اليومية.
جاء من الذاكرة.
من الجغرافيا.
من الخوف على المستقبل.
ومن يقين دولة تعرف أن النار حين تشتعل حولها، لا تبقى في مكانها طويلا.
في حديثه عن غزة والضفة الغربية، كان الملك يزيح الستار عن مشهد تتعدد تفاصيله، بينما يجمعها خيط واحد.
غزة تنزف تحت الحرب، والضفة تتعرض لضغوط متصاعدة، والأرض الفلسطينية تواجه سباقا مع الزمن.
كلما تغيرت ملامح الأرض، اقتربت لحظة يصبح فيها الحديث عن الدولة الفلسطينية أكثر تعقيدا.
هنا، تتجاوز المسألة حدود السياسة.
الأرض ذاكرة.
والبيت ذاكرة.
والشجرة التي يقتلعها الإنسان من أرضه تحمل في جذورها تاريخ عائلة، وربما تاريخ قرية، وربما تاريخ وطن كامل.
حين تتغير الجغرافيا بالقوة، يتغير معها شيء في روح المكان.
وهذا ما التقطه خطاب الملك بوضوح.
استحضر مبادرة السلام العربية لعام 2002، كأنما يخرج ورقة قديمة من درج طويل، وينفض عنها غبار السنوات، ثم يضعها أمام العالم من جديد.
أكثر من عقدين عبرت.
والعرض العربي للسلام ما يزال يحمل فكرته الأساسية: سلام شامل، وعلاقات طبيعية، ودولة فلسطينية، وتسوية تفتح للمنطقة طريقا آخر.
فما الذي حدث؟
تغيرت حكومات.
تبدلت أولويات.
اشتعلت حروب.
وسقطت مدن.
وتغيرت عواصم.
أما فلسطين، فما زالت تقف أمام العالم بالسؤال ذاته.
متى يتحول السلام من فكرة معلقة إلى واقع يعيش فيه الإنسان الفلسطيني حرا وآمنا على أرضه؟
السؤال هنا لا يحتاج إلى زخرفة.
التاريخ نفسه يطرحه.
وفي غزة، يصبح السؤال أكثر قسوة.
هناك، حيث يتقلص المكان تحت وطأة الحرب، يصبح كل بيت علامة على حياة كانت تبحث عن غد.
كل مدرسة تختزن أحلام أطفال.
كل مستشفى يحمل ذاكرة مرضى وأطباء.
كل شارع يعرف أسماء الذين مروا فيه.
الحرب حين تضرب المكان، تصيب الذاكرة أيضا.
ولهذا تحدث الملك عن محاولة تغيير الواقع الجغرافي في غزة.
فالجغرافيا التي تتشكل تحت النار تحمل آثارا قد تمتد لعقود.
والمكان الذي يفقد سكانه، يفقد جزءا من روحه.
والمدينة التي تتحول إلى مساحة محاصرة، تحمل في صمتها سؤالا عن المستقبل.
ثم جاءت الضفة الغربية.
الجزء الآخر من الصورة الذي يخشى العالم أن يراه متأخرا.
بينما تتجه العيون نحو غزة، تتحرك الوقائع في الضفة.
استيطان.
مصادرة أراض.
تغيير تدريجي في ملامح المكان.
وكل خطوة على الأرض تصنع طبقة جديدة فوق السؤال الفلسطيني.
هنا تظهر قيمة التحذير الذي حمله خطاب الملك.
فالتحول الكبير يبدأ أحيانا بتفاصيل صغيرة.
شارع جديد.
مستوطنة جديدة.
أرض تنتقل من يد إلى أخرى.
خريطة تتغير بهدوء.
ثم يستيقظ العالم ذات صباح، فيكتشف أن المشهد الذي عرفه صار بعيدا.
التاريخ يعرف هذه الحيلة جيدا.
الوقائع حين تتراكم، تتحول إلى أمر واقع.
والأمر الواقع حين يطول عمره، يبدأ البعض في التعامل معه كأنه قدر.
خطاب الملك قاوم هذه الفكرة.
ومن فلسطين اتجهت عيناه نحو سوريا.
كأنما أراد أن يقول إن الخريطة كلها تستحق النظر.
هناك في الشمال، حيث الحدود الأردنية، تتشكل مخاطر جديدة.
توغلات.
وقائع جديدة على الأرض.
واقتراب من موارد المياه.
وهنا يصبح الماء في الخطاب الأردني أكثر من مورد طبيعي.
الماء حياة.
والماء أمن.
والماء بالنسبة للأردن قضية ترتبط مباشرة ببقاء الدولة وقدرتها على حماية مستقبل أجيالها.
لذلك جاءت الرسالة حاسمة.
أمن الحدود جزء من الأمن الوطني.
وأمن المياه جزء من الأمن الوطني.
ومصالح الشعب الأردني تقع في قلب هذه المعادلة.
في هذه النقطة تحديدا، ظهر الأردن كما يعرفه محيطه: دولة صغيرة في الجغرافيا، ثقيلة في الحسابات، تقف في منطقة تتقاطع عندها الأزمات، وتعرف أن الاستقرار الذي تحميه اليوم قد يصبح غدا واحدا من أهم مفاتيح استقرار المنطقة.
ثم يعود الملك إلى السلام.
وهنا تكمن قوة الخطاب.
فكلما ارتفعت نبرة التحذير، بقيت نافذة السلام مفتوحة.
كأن الأردن يقول إن حماية الأمن لا تتعارض مع السلام.
وإن القوة في الدفاع عن الحدود يمكن أن تسير مع قوة الموقف الأخلاقي.
وإن الدولة تستطيع أن ترفع صوتها دفاعا عن مصالحها، ثم تمد يدها للحوار في اللحظة ذاتها.
هذه معادلة صعبة.
لكن الأردن عاش طويلا في قلبها.
فالبلد الذي تحيط به الأزمات يعرف أن السلام يحتاج إلى صبر طويل، وأن المنطقة التي أنهكتها الحروب تحتاج إلى شجاعة سياسية تعيد فتح الأبواب التي أغلقتها البنادق.
ومن هنا، يصبح دعم الصمود الفلسطيني في خطاب الملك امتدادا لفكرة أوسع.
فلسطين بالنسبة للأردن جغرافيا قريبة، وذاكرة حاضرة، وقضية عربية، ومستقبل إقليمي.
وما يجري فيها يترك ظلاله على المنطقة كلها.
لهذا بدا خطاب الملك وكأنه يضع الشرق الأوسط أمام مرآة.
انظروا جيدا.
هذه غزة.
وهذه الضفة.
وهذه سوريا.
وهذا الأردن.
وهذه منطقة كاملة تقف فوق أرض تهتز تحتها السياسة كل يوم.
ثم اسألوا:
إلى أين؟
السؤال بسيط في كلماته، ثقيل في معناه.
فالشرق الأوسط يحتاج إلى أكثر من ترتيبات أمنية مؤقتة.
يحتاج إلى عدالة سياسية.
يحتاج إلى دولة فلسطينية قابلة للحياة.
يحتاج إلى احترام سيادة الدول.
ويحتاج إلى نظام إقليمي يجد في الحوار وسيلة لحل النزاعات قبل أن تتحول إلى حروب.
في خطاب الملك، حضرت هذه الفكرة بقوة.
السلام ليس لحظة توقيع.
السلام بناء طويل.
والعدالة ليست عبارة في بيان.
العدالة أساس الاستقرار.
والحدود ليست خطوطا حبرية.
الحدود ذاكرة سيادية.
والماء ليس رقما في معادلة.
الماء مستقبل.
لهذا، حين وقف الملك أمام العالم، حمل معه كل هذه المعاني دفعة واحدة.
حمل الأردن الذي يعرف معنى أن يعيش في جوار مضطرب.
وحمل فلسطين التي تبحث عن طريق إلى الدولة.
وحمل سوريا التي تواجه تحولات خطرة.
وحمل فكرة السلام التي تحتاج في هذا الزمن إلى من يحرس معناها.
وربما هنا تكمن قوة الخطاب الحقيقية.
أنه خرج من قلب الجغرافيا، لا من برج السياسة.
تحدث عن الأرض لأن الأرض هي القضية.
وتحدث عن الحدود لأن الحدود هي الأمن.
وتحدث عن المياه لأن المياه هي الحياة.
وتحدث عن السلام لأن المنطقة تعبت من الحرب.
وعندما انتهى الخطاب، بقي السؤال معلقا في قاعة الأمم المتحدة:
كم مرة يحتاج العالم إلى التحذير قبل أن يتحول التحذير إلى حقيقة؟
الأردن قال كلمته.
قالها من موقع الدولة التي ترى النار قريبة، وتعرف أن حماية بيتها تبدأ من فهم ما يجري حوله.
وقالها أيضا من موقع دولة تؤمن بأن السلام العادل يستحق أن يبقى حيا، حتى في زمن تتساقط فيه الكثير من اليقينيات.
ففي هذه المنطقة، حيث مر التاريخ فوق الأرض مرات كثيرة، يعرف الأردنيون أن الخرائط تتغير، والحكومات تتغير، والتحالفات تتغير.
أما الأرض، فتظل شاهدة.
والشاهد حين يتكلم، يصعب إسكات ذاكرته.