«ألف ليلة وليلة» .. هل كتبها الذكاء الاصطناعي
klyoum.com
أخر اخبار الاردن:
موجودات صندوق أموال الضمان تتخطى حاجز الـ20 مليار ديناريبدو السؤال مربكا لكنه وقع بالفعل.. جربت استخدام بعض التطبيقات الحديثة، التي تدعي علما بمعرفة جذور النصوص الأدبية، وإن كانت أصلية أو غير أصلية، إن كانت من وحي البشر أو من وحي الآلة، وهي تطبيقات يجري استعمالها على نطاق واسع في أكثر من مكان في العالم، تلعب دور الشرطي في معرفة الأشياء المزيفة أو الحقيقية، ثم نسخت عليها فقرات من «ألف ليلة وليلة»، اخترتها بشكل عشوائي، وحرصت على أن تكون فقرات مطولة كي لا يختلط على التطبيقات الأمر، فجاءت النتائج مثيرة للحيرة، بشكل لم أعرف هل أضحك، أم أندهش؟
ففي المرة الأولى ظهرت نتيجة تفيد بأن 68 في المئة من الفقرة مستوحاة من الذكاء الاصطناعي، بينما الفقرة الثانية ترتبت عليها نتيجة 56 في المئة بأنها كتبت بالذكاء الاصطناعي، والفقرة الثالثة كانت الأكثر حظا أن ترتبت عليها نسبة 41 في المئة أنها من صنيع الآلة. نعم هذا الذي حصل بالفعل، وبوسع أي شخص أن يختبر هذه التطبيقات بنفسه ويعرف الفجوة التي تفصل بين الواقع، والعوالم الافتراضية، ثم غامرت بأن نسخت قصيدة كاملة للمتنبي، ولسوء حظه كذلك جاءت النتيجة مخيبة بأنها قصيدة مكتوبة في جزء كبير منها بالذكاء الاصطناعي. أنا أتحدث هنا عن نصوص أدبية ظهرت قبل ما يزيد عن عشرة قرون، قبل أن تظهر الآلة وقبل أن تصل الكهرباء في حد ذاتها، فهل يعقل أن تصير اليوم نصوصا مشبوها فيها؟ وأن يبلغ بالتكنولوجيا محل التشكيك في أصليتها؟
وصلنا إلى مرحلة نشكك فيها في العقل البشري وننسب كل نص أدبي ذي قيمة إلى آلة، وكأن الإنسان لا يعدو أن يكون تابعا لها، أو عبدا لصنيعها. يبدو أننا دخلنا مرحلة من الشك ومن سوء التقدير، ومن أولى ضحايا هذه المرحلة الجديدة: هو الأدب، عندما صار من الهين الطعن في قيمة النص ونسبه إلى آلة بما يقلل من قيمة العقل المبدع. لقد صار من السهل أن نطعن في أي نص، مهما كانت جودته، بمجرد أن تطبيقا من التطبيقات المثيرة يخبرنا بعكس ما نتوقع عن أصالة النص. من الظاهر يبدو أن الأمر هين أن نعرف نصا أدبيا إذا كان من وحي عقل مبدع أو من وحي «تشات جي بي تي»، أو «جيميني»، أو «كلاود»، لأنها في الغالب نصوص تتشابه في ما بينها، يكثر فيها التكرار وتخلو من الصور البديعية الأصلية، لكن عندما نطالع نصا من عمق التجربة الإنسانية، فإن الآلة لها رأي آخر ومن عاداتها أن تقلل من قيمته، وتشير إلى أن جزءا منه لا يمتلك الأهلية بأن يكون إبداعا خالصا، وألِف الناس أن يصدقوا ما يأتي من الآلة، بدل أن يصدقوا أنفسهم، صار الإنسان يبدي طاعة عمياء للوحش المسمى: الذكاء الاصطناعي، وصار الإنسان لا يتكل على جهد أو خبرة في التعاطي مع الأدب، بل ينتظر أن يطعن فيه واحد من التطبيقات فيشعر بأنه انتصر في معركة وهمية.
وإذا كانت «ألف ليلة وليلة» نفسها لم تنج من مصيدة الذكاء الاصطناعي، وبات من اليسير الطعن في أهليتها، فماذا نتوقع من برامج الذكاء الاصطناعي عندما نحيل إليها اختبار نصوص حديثة؟ لا بد أن كل كاتب أو شاعر يضع يده على قلبه في هذه الأثناء، يعلم أن تهمة معلبة سوف تلقى على رأسه في كل حين، وأن من السهل التشكيك في عمله والتقليل من قيمته، لأن الآلة نفسها نصبت نفسها أكثر عقلانية من عقل الإنسان، وقد صارت لا تكتفي بتدوين النصوص تحت الطلب، بل إنها تلعب دور القاضي وتطلق الأحكام، تسير بعينين مغمضتين وتقول ما هو النص الأصلي، وما هو النص المصطنع من غير تبرير، فالمهم أن تجيب على سؤال المستخدم بما يلبي أهواءه وبما يلبي أهواء البرامج التي تسير عليها.
لم أكن لأختبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي المضادة وجدواها، قصد الكشف عن أصلية فقرات من «ألف ليلة وليلة» أو قصيدة للمتنبي لولا الزوبعة التي اندلعت في فرنسا، في الأسابيع الفارطة، إثر صدور رواية لكاتب كندي يدعى تيليسون أورليان (أصله من هايتي)، تحمل عنوان «لا خيار سوى الموت»، فعقب صدورها في شهر أغسطس/آب الماضي حققت رقم مبيعات جد عالٍ، أكثر من 35 ألف نسخة في غضون شهرها الأول، وتحولت إلى ظاهرة أدبية في المكتبات، يُقبل عليها القراء من كل حدب، كما تحالف نقاد في المجلات وفي بلاتوهات التلفزيون والإذاعة في الإشادة بها، ثم دخلت سباق الترشيحات في أهم الجوائز، على غرار جائزة غونكور المرموقة، وهذا أمر نادر في فرنسا أن يجتمع نجاح تجاري مع نجاح نقدي في الرواية نفسها. قبل أن يحصل انقلاب في وقت لاحق، عندما تجرأ حساب على منصة إكس، من بين المشرفين عليه صحافي في «لوفيغارو»، وأبدى ملاحظات تضرب الرواية نفسها في الصميم، مدعيا أنها كتبت بالذكاء الاصطناعي.
في «لا خيار سوى الموت» يتابع القارئ رحلة أستاذ للتاريخ والجغرافيا من هايتي إلى كندا، في تتبع مساراته ومشقة وصوله إلى مبتغاه، إنها رواية المنافي الحتمية، تحكي عن الهجرة وعن الإنسان عندما يصير مجبرا على التخلي عن مسقط رأسه، وحسب أصحاب التهمة فإن الرواية ليست أصلية، ومع أنه لا دليل لهم سوى ما أفضت إليه خبرة تطبيق للذكاء الإصطناعي، فقد انطلقت آلة ضخمة من الإعلام في الحط من شأن الكاتب ومن قيمة كتابه، مع أن البعض رجح أنها حملة بقيادة اليمين، لكنها تهمة لا تطابق الواقع بحكم أن الدار التي نشرت الرواية نفسها محسوبة على اليمين. في وقت آخر سوف يتبين أن الكاتب ذاته له سوابق في سرقات أدبية وفي السطو على مقالات صحافية ونسبها إلى نفسه. ومهما ما سيظهر من حقائق في مستقبل الأيام، فإن الكاتب نفسه خاسر، خسر سمعته وثقة القراء به.
استبعدت روايته من سباق «غونكور» لكن أرقام مبيعاتها لم تخف. ومهما كانت الادعاءات صادقة أو عكس ذلك، وإن كانت الرواية مستوحاة في جلها من الذكاء الاصطناعي أم غير ذلك، في هذه الحالة يجدر السؤال: كيف لم ينتبه إلى أمرها الناشرون ولا النقاد والصحافيون إلى أن صارت ظاهرة أدبية؟ هل يتحملون بدورهم مسؤولية التغاضي عن هذا الأمر؟ يبدو أن الأمر بلغ هشاشة في الحكم، في التفريق بين نص كتبه بشر، ونص كتبته الآلة، وفي الحالتين صار من الهين الطعن في كل نص أدبي، بالاستناد إلى آلة تقدم آراءها من غير تبرير.