اخبار الاردن

سواليف

سياسة

فوضى التحليل العسكري في زمن الحروب: حين يتحول التحليل إلى خطاب إنشائي

فوضى التحليل العسكري في زمن الحروب: حين يتحول التحليل إلى خطاب إنشائي

klyoum.com

فوضى التحليل العسكري في زمن الحروب: حين يتحول التحليل إلى خطاب إنشائي

د. حازم سليمان توبات

لفت انتباهي، في خضم الحرب الدائرة حالياً وما سبقها من حروب، الانتشار الواسع لما يُسمّى بـ"المحللين العسكريين والاستراتيجيين"، حيث ذاع صيت عدد كبير منهم، وتكاثرت تحليلاتهم عبر مختلف المنصات الإعلامية. وقد دفعني ذلك إلى الاستماع إلى بعض هذه الطروحات، لتقييم ما يُطرح انطلاقًا من خلفيتي العسكرية المتواضعة كعقيد ركن متقاعد في سلاح الدروع قبل أن اتخصص في مجال القانون الدستوري.

غير أن ما خلصت إليه، وبكل أسف، هو أن بعض هؤلاء يفتقرون إلى العمق المعرفي الكافي في شؤون الحرب، بل وحتى في فهم المعارك بمستواها التكتيكي والعملياتي. فالكثير مما يُقدَّم لا يستند إلى خبرة ميدانية حقيقية أو تأهيل علمي رصين، وإنما يغلب عليه الطابع الإنشائي الذي يخاطب العواطف، وينسجم مع الاتجاهات العامة أو المزاج الشعبي، بعيدًا عن التعقيد الحقيقي للحروب الحديثة، التي قد يخطئ في تقديرها حتى كبار الاستراتيجيين.

ويثير هذا الواقع تساؤلًا جوهريًا حول مؤهلات من يُطلق عليهم وصف "محلل عسكري استراتيجي": هل يمتلكون بالفعل الخبرات والمعرفة التي تؤهلهم للخوض في هذا المستوى من التحليل؟ إنني، وعلى سبيل المثال، وبالرغم من رتبتي كعقيد ركن وما اكتسبته من علم وخبرة، لا أرى أن ذلك يؤهلني تلقائيًا للخوض في التحليل الاستراتيجي بمعناه الدقيق؛ فهذه الرتبة، بطبيعتها، تظل ضمن الإطار العملياتي، ولم تتجاوزه إلى المستوى الاستراتيجي الشامل، كما أن اجتياز دورة الأركان يمنح فهمًا معمقًا لإدارة العمليات على مستوى فرقة فأدنى، لا لصياغة الرؤى الاستراتيجية العليا.

ولو افترضنا – جدلًا – أنني قررت دخول هذا المجال بدافع الشهرة، فإن الطريق إلى ذلك ليس معقدًا: يكفي أن أقوم بجمع المعلومات المتداولة من المصادر المفتوحة، وأعيد ترتيبها وصياغتها بما يتوافق مع توجه معين أو خطاب إعلامي سائد، ثم أبدأ بالظهور التدريجي في وسائل الإعلام، حتى يذاع صيتي وأكتسب لقب "محلل استراتيجي". وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية، حيث يُستبدل التخصص بالظهور الإعلامي، والخبرة بالمحتوى الموجّه.

وقد لفت انتباهي أيضًا أن بعض ما يُطرح من تحليلات يستند إلى مفاهيم زمنية ومعرفية متقادمة، تتلاءم مع معارك الحرب العالمية الثانية أكثر من الحروب الحديثة. فعلى سبيل المثال، يُقال إن الهجوم كان على وشك البدء، وقد حُددت "ساعة الصفر"، ثم تم تأجيل العملية بسبب ظروف جوية غائمة أو ممطرة. إن مثل هذا الطرح يتجاهل طبيعة الحروب الحديثة، التي تعتمد على منظومات متقدمة من التسليح والتخطيط، وتستخدم فيها التكنولوجيا المعقدة والذكاء الاصطناعي، مما يجعل تأثير الطقس عاملًا محدودًا، لا سببًا حاسمًا لتأجيل عمليات استراتيجية بهذا الحجم.

وكذلك، فإن إطلاق أحكام قاطعة حول مآلات الحرب خلال ساعات أو أيام، ثم تبيّن خطؤها بعد أسابيع، يكشف عن غياب المنهجية العلمية في التحليل. فالمحلل الاستراتيجي قد يخطئ في التقدير ضمن هامش محدود، لكن الفارق الكبير بين التوقع والواقع يدل غالبًا على نقص في المعلومات أو ضعف في أدوات التحليل.

وفي المحصلة، فإن هذه الملاحظات لا تستهدف شخصًا بعينه، وإنما تتناول ظاهرة أوسع تتعلق بطبيعة التحليل العسكري الاستراتيجي في الفضاء الإعلامي، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي. وهي دعوة لإعادة الاعتبار للمعايير المهنية والعلمية في هذا المجال، والتفريق بين التحليل القائم على المعرفة والخبرة، وبين الطرح الإعلامي الذي يفتقر إلى العمق والدقة.

*المصدر: سواليف | sawaleif.com
اخبار الاردن على مدار الساعة