الغياب المحسوب… لماذا لم يشارك الأردن في اجتماع تركيا حول المسار الإيراني؟
klyoum.com
أخر اخبار الاردن:
ميناء العقبة يعمل بكفاءة ولم يتأثر بالأوضاع الإقليميةزاد الاردن الاخباري -
خاص - محرر الشؤون السياسية - في السياسة الخارجية، لا يُقاس التأثير دائمًا بعدد الاجتماعات أو المقاعد المخصصة حول الطاولات، بل بقدرة الدول على اختيار توقيت الحضور المناسب، ومعرفة متى يكون الابتعاد أكثر فاعلية من المشاركة.
من هذا المنطلق، يمكن فهم عدم مشاركة الأردن في الاجتماع الذي استضافته تركيا يوم الجمعة حول المسار الإيراني، بعيدًا عن أي قراءة متسرعة توحي بتراجع الدور أو تغييب الحضور. فاللقاء لم يكن منصة تشاور إقليمية مفتوحة أو اجتماعًا عامًا لدول الجوار، بل جاء ضمن إطار محدد يتعلق بمسار وساطة بين واشنطن وطهران، تقوده أنقرة بمشاركة أطراف ترتبط مباشرة بالملف الإيراني، سواء عبر البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي، إضافة إلى امتلاكها أدوات ضغط واضحة على أحد طرفي التفاوض.
الأردن، بحكم موقعه وطبيعة سياساته، لا ينخرط في مواجهة مباشرة مع إيران، ولا يسعى إلى لعب دور الوسيط المباشر في النزاع الأمريكي–الإيراني. كما أنه لا يمتلك مصلحة تفاوضية مباشرة ضمن هذا السياق تحديدًا، ما يجعل قرار عدم الحضور متسقًا مع طبيعة الاجتماع وأهدافه.
وفي السياق ذاته، أجرى وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي محادثات مكثفة مع نظيره الإيراني، مؤكدًا موقف المملكة الثابت برفض تحويل أراضيها أو أجوائها إلى ساحة لأي صراع دولي. ويعكس هذا النهج قدرة الصفدي على إدارة الملفات الخارجية وفق قواعد الاشتباك السياسي والدبلوماسي بحكمة وذكاء.
تاريخيًا، فضّلت الدبلوماسية الأردنية الابتعاد عن الانخراط في محاور استقطابية حادة، خصوصًا في الملفات المعقدة التي تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى. فقد اعتاد الأردن العمل بأسلوب يركز على التهدئة وضبط التوازن السياسي بدلًا من الدخول في مواجهات قد تفرض عليه اصطفافات لا تخدم مصالحه الوطنية ولا تحفظ موقعه المتوازن في الإقليم. هذا الخيار الاستراتيجي ساهم في تعزيز مكانة الأردن كدولة تحظى بثقة واحترام دوليين.
ويؤكد الأردن دومًا صورته كدولة استقرار لا طرفًا في الصراعات الإقليمية. وفي لحظة تفاوض دقيقة بين الولايات المتحدة وإيران، قد يكون الابتعاد خطوة أنجع من الحضور، لأن التموضع غير المدروس قد يُفسر كاصطفاف سياسي أو يحمّل الدولة تكاليف غير ضرورية. من هنا تصبح “الحيادية الذكية” إحدى أدوات التأثير، لا مجرد موقف سلبي أو انتظار صامت للنتائج.
ومن المهم ألا تنساق التحليلات وراء مبالغة تختزل النفوذ السياسي في الحضور أو الغياب. فالحضور بحد ذاته لا يثبت الثقل الدولي، كما أن الغياب ليس بالضرورة علامة على التراجع. الدول القوية تُقاس بقدرتها على منع الأزمات وحفظ التوازن، أكثر مما تُقاس بعدد الاجتماعات التي تُدعى إليها.
الأردن ليس بحاجة إلى إثبات حضوره عبر لقاء عابر، لأنه حاضر باستمرار من خلال سياساته المتزنة وقراراته الهادفة التي تخدم استقرار المنطقة. فدوره ينبع من تأثيره الحقيقي، لا من الصور التذكارية أو الظهور الإعلامي وحده.