التعليم الثانوي الجديد في الأردن
klyoum.com
أخر اخبار الاردن:
وفاة مواطن أردني وإصابة 4 آخرين في الاعتداء على مطار الرياضليس كل تغييرٍ إصلاحًا، وليس كل نظام جديد أفضل من سابقه. فالإصلاح التربوي لا يُقاس بعدد السنوات أو القرارات الجديدة، بل بما يحدث في عقل الطالب، وغرفة الصف، وقدرته على التفكير واستخدام المعرفة.
ومن هنا، فإن إعادة تشكيل المرحلة الثانوية في الأردن عبر الصفوف العاشر والحادي عشر والثاني عشر تستحق سؤالًا أعمق من: هل النظام الجديد أفضل من التوجيهي القديم؟ السؤال الحقيقي هو: هل تغيرت فلسفة التعليم، أم أننا أعدنا توزيع الامتحانات والمواد والسنوات داخل المشكلة نفسها؟
قد يكون تمديد المرحلة الثانوية فرصة لمنح الطالب وقتًا أطول لاكتشاف قدراته وميوله، لكن زيادة السنوات لا تعني تلقائيًا تعليمًا أفضل. فإذا بقي الطالب أسير الحفظ والاستظهار والبحث عن العلامة، فإننا لم نحل المشكلة، بل مددناها. وإذا ظل الامتحان هو محور العملية التعليمية، فسيبقى المعلم يدرّس من أجل الامتحان، والطالب يدرس من أجل العلامة، والأسرة تبحث عن المدرس الذي يعرف «نمط الأسئلة».
كان من أبرز عيوب التوجيهي التقليدي تركيز مستقبل الطالب في سنة واحدة شديدة الضغط. لكن توزيع الامتحانات على أكثر من سنة لا يعني بالضرورة تخفيف الضغط؛ فقد ننتقل من سنة توجيهي مرهقة إلى مرحلة ثانوية كاملة تعيش تحت ظل التوجيهي. وهنا يكون الإصلاح قد وزّع الامتحانات، لكنه لم يغيّر ثقافة الامتحان.
كما أن المدرسة ليست مؤسسة لإعداد الطالب للجامعة فقط. وظيفتها أن تبني إنسانًا قادرًا على القراءة والكتابة والتحليل والحوار وحل المشكلات واستخدام التكنولوجيا والعمل ضمن فريق واتخاذ القرار. فالطالب الذي يحصل على 95% لكنه لا يستطيع كتابة نص مترابط أو تحليل فكرة أو الدفاع عن رأيه بالحجة يكشف أن العلامة المرتفعة ليست دائمًا دليلًا على تعليم مرتفع.
وفي قلب أي إصلاح يأتي المعلم. فلا يمكن تطوير التعليم بمناهج جديدة وأنظمة تقويم مختلفة من دون تدريب المعلم، وتخفيف اكتظاظ الصفوف، وتوفير التجهيزات، وتحسين ظروفه المهنية. إصلاح المنهج من دون الاستثمار في المعلم يشبه تغيير مخطط البناء وترك أدوات البناء القديمة كما هي.
أما المناهج، فالمشكلة ليست في عدد الصفحات وحده، بل في السؤال: ماذا نريد من الطالب أن يفعل بالمعرفة؟ في عصر يستطيع فيه الهاتف الوصول إلى كم هائل من المعلومات، لم تعد المدرسة مطالبة بتخزين المعلومات بقدر ما هي مطالبة بتعليم الطالب كيف يفكر فيها ويستخدمها.
واحدة من اهم النقاط التي يجب ان تؤخذ في الاعتبار عند الحديث عن الإصلاح التربوي هي إعادة الاعتبار للتعليم المهني والتقني، بحيث يصبح خيارًا حقيقيًا يختاره الطالب لأنه فرصة، لا مسارًا يُدفع إليه لأنه لم ينجح في المسار الأكاديمي.
كما لا يمكن تجاهل الأسرة؛ فكثرة التعديلات تفرض عليها أعباء مالية ونفسية، ولذلك يحتاج النظام التعليمي إلى الاستقرار والوضوح وقابلية التنبؤ. كما أن السنة الإضافية لها كلفة على الدولة والأسرة، فلا يكفي أن نقول إن دولًا أخرى لديها مراحل ثانوية أطول؛ المهم هو ماذا تفعل هذه الدول خلال تلك السنوات؟
قبل إضافة سنة أو إعادة توزيع الامتحانات، يجب أن نحدد صورة الطالب الذي نريده: هل نريد طالبًا يحفظ أم إنسانًا يفكر؟ شهادة أم كفاءة؟ نجاحًا في الامتحان أم نجاحًا في الحياة؟
لا ينبغي رفض النظام الجديد لمجرد أنه جديد، ولا الدفاع عنه لمجرد تسميته إصلاحًا. بل يجب تقييمه بنتائجه: هل تحسنت مهارات الطلبة؟ هل تراجع الاعتماد على الدروس الخصوصية؟ هل أصبح التعليم المهني خيارًا حقيقيًا؟ وهل أصبح المعلم أكثر قدرة على أداء دوره؟
أخيرا قد تكون ثلاث سنوات أفضل من سنتين إذا تغير ما يحدث داخلها. أما إذا بقي الامتحان مركز العملية التعليمية، والمناهج مثقلة، والمعلم مرهقًا، والدروس الخصوصية مزدهرة، والجامعة هي الغاية الوحيدة، فإننا لا نكون قد أصلحنا التعليم، بل أعدنا ترتيب أزمته.