اخبار الاردن

سواليف

سياسة

التقاعد المبكر : حين تغضب الإدارة

التقاعد المبكر : حين تغضب الإدارة

klyoum.com

#سواليف

كتب نادر خطاطبة

لا غرابة في قرار الإحالة القسرية إلى التقاعد المبكر للباحث في الفكر الإسلامي بوزارة الأوقاف، الدكتور محمد صبحي العايدي، على خلفية مقال صحفي، فغضبة المسؤول التي تفضي إلى عقوبة لا تتناسب مع حجم الخطأ المفترض، أمر اعتدناه في مؤسسات كثيرة، وتكاد لا تخلو منه اي مؤسسة.

قد يتطوع البعض، في سياق تبرير القرار بالقول إن سلامة القرار من عدمها شأن متاح البت فيه من القضاء الإداري، وبوسع المتضرر الطعن فيه، لكن المسألة لا تنتهي هنا، إذ إن التجربة تقول إن بعض الانتصارات القضائية للموظف، في مواجهة قرار إداري، قد تفتح عليه أحيانا أبوابا أخرى من "التنكيل المقونن"، بما يجعل الموظف يفكر ويعيد النظر، ويعدُ للمليون قبل أن يطرق باب القضاء أصلا.

قصة الدكتور العايدي ليست موضوعنا بالمناسبة، لكنها استهلال لا بد منه ونحن على أبواب مناقشة قانون الضمان الاجتماعي، الذي حالت الغضبة الشعبية دون مناقشته في الدورة العادية السابقة، فتم ترحيله إلى دورة لاحقة، يتوقع ان يدرج عليها.

فالحكومة استندت في تبرير الحاجة إلى تعديل القانون، إلى التوسع المفرط في قرارات التقاعد المبكر، ما اثر على الوضع المالي للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، بما قد يمس ديمومة مدخرات الأردنيين واستثماراتهم وتقاعداتهم. وهي مبررات تستحق النقاش بطبيعة الحال.

لكن المفارقة أن الحكومة، وهي تحذر من التقاعد المبكر باعتباره أحد مصادر الخطر على أموال الضمان، واصلت في الوقت ذاته مسلسل الإحالات إلى التقاعد المبكر، وهنا تحديدا نتحدث عن التقاعد القسري، لا عن موظف يطلب الرحيل طواعية، قبل أن تطاله تعديلات قد تطيل أمد خدمته، بمعنى ان الحكومة تحذر من الظاهرة ذاتها حين يأتي التقاعد المبكر باختيار الموظف، لكنها تمارسه بقرار منها حين يكون الخيار بيد الإدارة.

المفارقة التي تبدو اكثر وضوحا ايضا، انه إذا كان التوسع في التقاعد المبكر يمثل بالفعل أحد أسباب الضغط على موجودات الضمان، فإن المنطق يفترض أن تكون هناك درجة أعلى من التشدد في كل قرار يؤدي إلى زيادة أعداد المتقاعدين مبكرا، بصرف النظر عما إذا كان القرار قد صدر بطلب من الموظف أم بقرار إداري.

ما علينا..

نعود إلى العايدي، فقط لتوضيح الصورة التي بدأنا بها، فحسب روايته، فإن مقاله المنشور في صحيفة "الغد" تناول خدمة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة عبر تطبيق "سند"، لكنه لم يدعُ إلى إلغاء الخدمة، وإنما اقترح استبدال تسمية "التبرع" بعبارة "الإذن بالانتفاع بالأعضاء"، داعيا إلى مراجعة جزئية في الفتوى المتعلقة بإذن الورثة، وإلى توثيق اوضح لقرار يمس حرمة جسد الإنسان.

وبحسب روايته أيضا، اتصل به وزير الأوقاف في يوم نشر المقال معبرا عن غضبه، ثم شُكلت لجنة للتحقيق والاستجواب، قبل أن يصدر قرار إحالته إلى التقاعد المبكر خلال أقل من 48 ساعة، وهذه الرواية، التي لم يصدر اي رد رسمي حيالها، بتقديري لا تتعلق بصحة رأي العايدي الفقهي من عدمه، فتلك مسألة يمكن أن تُناقش بالعلم والحجة والرد العلمي، فاذا كان المقال خاطئا، فلماذا لا يُرد عليه بمقال؟ وإذا كانت الفتوى التي ناقشها العايدي سليمة، فلماذا لا تُشرح سلامتها؟ وإذا كان في مقاله تجاوز مهني أو وظيفي، فلماذا لا يُحاسب على التجاوز المحدد وفق إجراء واضح ومتناسب مع حجم التجاوز؟

ما جرى امر يفتح باب التساؤلات حول حدود سلطة الإدارة على الرأي، وان كانت حدود المرؤوس مرتبطة في ان يكتب ويبحث ضمن حدود مرسومة لا تغضب رؤسائه بصورة قد تفضي الى ردة فعل يتحول فيه التقاعد المبكر، الذي تقول الحكومة إنه مشكلة تهدد أموال الضمان، إلى أداة عقاب اداري جاهزة كلما غضبت الإدارة.

*المصدر: سواليف | sawaleif.com
اخبار الاردن على مدار الساعة