خطاب الملك في الأمم المتحدة "ما يتجاهله العالم يصنع المستقبل"
klyoum.com
هناك خطابات تُقرأ بما قيل فيها وخطابات أهم بما تكشفه طريقة قولها ،ووفي خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ، كانت الفكرة الأعمق أبعد من غزة والضفة وسوريا، رغم حضورها الثقيل فالانتباه نفسه أصبح جزءاً من السياسة، ومن يملك القدرة على إبقاء قضية ما في دائرة الضوء يملك فرصة أكبر لمنع تحول الظلم إلى واقع دائم.
هذه ليست ملاحظة عن الإعلام فقط الملك نقل مفهوم الانتباه من سلوك فردي مرتبط بالشاشات إلى مورد جيوسياسي يحدد أين تستمر الدبلوماسية وأين تتراجع وأي مأساة تبقى غير محتملة وأي مأساة يعتادها العالم. هنا تكمن خصوصية الخطاب ،فهو لم يسأل المجتمع الدولي فقط ماذا يرى بل ماذا يختار ألا يرى وماذا يحدث عندما يصبح التجاهل سياسة بحد ذاته.
ومن هذه الزاوية، تبدو فلسطين في الخطاب ليست ملفاً منفصلاً بل الاختبار الأكثر وضوحاً لمعنى القانون الدولي، فحين يتحول المؤقت إلى دائم وحين تبقى القرارات حبراً على ورق لا تكون المشكلة في غياب القواعد بل في انتقائية تطبيقها، ولهذا ربط الملك بين غزة والضفة الغربية وبين المسألة الفلسطينية وأمن المنطقة، رافضاً أن تتحول كثافة الأحداث الجديدة إلى وسيلة لدفن أصل المشكلة.
الأكثر دلالة بالنسبة للأردن أن الخطاب لم يكتفِ بالتحذير، فعندما انتقل الملك إلى سوريا وربط أي تهديد للحدود الشمالية أو الأمن المائي بالأمن القومي الأردني انتقلت الرسالة من التشخيص إلى تحديد حدود لا يمكن للأردن التعامل معها كموضوع تفاوضي مفتوح، وفي الوقت نفسه، أبقى باب الحوار والعمل مع الجميع مفتوحاً، مؤكداً أن الدبلوماسية الأردنية ليست حياداً أخلاقياً ولا ضعفاً.
وهنا يظهر الأردن كما أراد الملك أن يقدمه كدولة صغيرة جغرافياً لكنها لا تتعامل مع صغرها كذريعة لتقليص دورها، فهي تواجه الإرهاب والتهريب وتستقبل الأزمات وتحمي المقدسات وتدافع عن الوجود المسيحي وتبني روابط اقتصادية وتقنية، بينما تتمسك بموقف سياسي واضح، هذه ليست أدواراً متجاورة إنها صيغة واحدة عنوانها الاستقرار النشط.
أما حضور سمو ولي العهد الأمير الحسين إلى جانب الملك في نيويورك فيضيف معنى هادئاً للمشهد ،أنها الرسالة الأردنية ليست موقفاً موسمياً لشخص بل مسؤولية دولة تنتقل بين الأجيال من دون أن تتخلى عن ثوابتها.
ولذلك فإن قيمة الخطاب لا تقاس فقط بما سيقوله الآخرون عنه في الأيام التالية بل بما وضعه أمام المجتمع الدولي من سؤال يصعب الهروب منه هل ستبقى القواعد مرجعية عندما تصبح كلفتها السياسية مرتفعة أم تتحول إلى لغة تستخدم عند الحاجة وتُترك عند الاختبار؟ الأردن في هذا المشهد لا يقدم نفسه كطرف يبحث عن مساحة إضافية في الصراع بل كدولة تعرف أن أمنها مرتبط بوجود نظام إقليمي تحكمه الحدود والقوانين، لا الوقائع التي يفرضها الأقوى، وهذه ربما هي الرسالة الأهم التي ينبغي ألا تضيع.
في النهاية ربما كانت أقوى جملة بالخطاب في نظري هي : المستقبل لا يصنعه ما نفعله فقط بل ما نختار تجاهله، بالنسبة للأردن هذه ليست فلسفة خطابية إنها قاعدة أمنية وسياسية وأخلاقية، وفي منطقة تعيش على حافة أزمة تلد أخرى يصبح إبقاء القضايا العادلة حاضرة قبل أن يبتلعها ضجيج العالم جزءاً من حماية المستقبل نفسه.