اخبار الاردن

صحيفة السوسنة الأردنية

سياسة

قراءة في فيضانات النيبال والتبت

قراءة في فيضانات النيبال والتبت

klyoum.com

فاجأت الفيضانات التي حدثت الأسبوع الماضي على حدود النيبال والتبت العالم بسبب حجمها وقوة تدميرها. وكانت مشاهد الدمار الناجم عنها صاعقا لمن كان يتابعها.

كانت السيول تدمّر الجسور الحديدية الضخمة وتقتلع المنازل وتجرف السيارات بدون توقف. لقد كانت درسا آخر للبشرية حول ما تمثله الطبيعة من قوّة خارقة لا يستطيع الإنسان بكل ما أوتي من قوّة وما أنجزه من تطورات علمية منع حدوثها أو التصدّي لآثارها بسهولة. مرة أخرى يقف الإنسان عاجزا أمام قوى الطبيعة. وبينما يتوقف المفكرون في تقييمهم عند هذا الحد من طرح الحقائق والاعتراف بالعجز البشري، يقف ذوو المواقف المؤدلجة عند هذه الظواهر للتدبّر، ويسرعون لربطها بما يسمّونه «القوّة المطلقة» التي تحكم الكون وتدير شؤونه. وهذه التلميحات تستبطن تفكيرا دينيّا ينطلق على أساس الإيمان بوجود خالق ومدبّر لهذا الكون. وعلى أساس هذا الطرح الدّيني، تُربط الظواهر الطبيعية بالقدرة الإلهية بشكل واضح من جهة، وتُربط حياة الإنسان بإملاءات السماء وتوجيهاتها من جهة آخرى. فكأن هناك حلقة متواصلة من السجال بين السماء والأرض، يمارس الإنسان فيها دورا محوريّا لإثبات وجود الخالق، ليجد نفسه مطالبا بعبادة ذلك الخالق.

المثير للتعجّب أن السجال حول وجود الله موضوع يتكرر بشكل دوري في الحياة الإنسانية، ويبدو وكأنه مرتبط بالأجيال. فكل جيل بشري لا بدّ أن يمرّ خلال حياته عبر بوّابة التفكير الداخلي حول الكون والخلق وحتمية وجود مصدر لذلك. ومن المؤكد أن الظواهر البشرية كانت، ولا تزال، عاملا لتوجيه الإنسان نحو الخالق. وتكشف قصّة النبي إبراهيم عليه السلام مع الإيمان نمطا لهذا التفكير. وهنا يتضح عمق ارتباط الإيمان بالظواهر الكونية. فالدّين يربط الإنسان بمحيطه الطبيعي لكي يصل إلى نتيجة منطقية بوجود تكامل بين الطرفين، للتدليل على تماثل الخلق ووحدة الخالق، وهو ما يسعى الدين الإلهي لإثباته للبشر لكي يتعمّق الإيمان في نفوسهم على أسس متينة، وليس بالتقليد أو التوارث.

وبرغم الأنماط المتصاعدة من هيمنة الحياة المادّيّة على حياة البشر، وسعي القوى المعادية للمشروع الديني لفك الارتباط بين السماء والأرض من خلال الظاهرة الدينية، فإن الظواهر الكونية تحول دون ذلك. فالاهتمام بالفضاء يفرض على الإنسان التفكّر في هذا الكون المترامي الأطراف الذي يزداد توسعا: « والأرض بنيناها بأيدٍ وإنّا لموسعون». لا يستطيع الإنسان وهو يرى الارتباط المباشر بين الظواهر الكونية وتأثيرها المتبادل إلّا أن يهرع للتفكير الهادف للبحث عن مصدر الكون وتدبيره. وما هرولة علماء الفيزياء الحاليين للبحث عن أصل الكون، وبرغم البحث الطويل في هذا المجال، لم يحدث الاختراق إلا قبل أقل من 15 عاما. ففي العام 2012 تم اكتشاف جسيم صغير أطلق عليه «بوزون هيغز» (المعروف بـ «جسيم الإله») وأنه المسؤول عن منح الكتلة للجسيمات الأولية في الكون. فقد تم إعلان اكتشاف بوزون هيغز رسمياً في عام 2012 من قبل تجاربي أتلاس (ATLAS) وكمس (CMS) في المصادم الهدروني الكبير التابع لـ المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن). هذا الاكتشاف أعطى العلماء دفعة كبيرة للاستمرار في البحث عن أصل الكون وما صاحب الانفجار الكبير من تكوّن أولى الجسيمات التي نشأ منها الكون لاحقا. هذه المسيرة البشرية في طريق البحث عن الخالق، تارة بالفكر والمنطق، واخرى بالبحث الفردي في الطبيعة، وثالثة بالبحث العلمي في أصل الأشياء، تؤكد حرص الإنسان على معرفة أصله كطريق لمعرفة خالقه، وهو شعور فطري مختزن في النفس الإنسانية الحريصة على المعرفة العميقة والتفكير المنطقي.

الظواهر الطبيعية التي يتكرر حدوثها يجب أن تكون مادّة للتفكر والتدبّر حول أسبابها ونتائجها. فما معنى ارتباط حركة البحر مدًّا وجزرًا بحركة القمر؟ وما المغزى من ربط أوقات الصلاة بحركة الشمس، فجرًا وظهرًا ومغربًا؟ وما الهدف من ربط صوم الإنسان في شهر رمضان بحركة القمر: صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته؟ وفي العصور الماضية لم تكن هناك أجهزة كومبيوتر أو حسابات فلكية مضبوطة، ولذلك كان المؤذّن يراقب حركة الشمس من الفجر إلى وقت الظهر حين تكون في كبد السماء، ثم إلى المغرب بعد أن يغيب قرصها عن الأنظار. إن ربط العبادة بالحركة الكونية له غاية مقدّسة، وذلك لربط الإنسان بالكون وإقناعه بالحركة المشتركة المحكومة بقوانين الفيزياء بشكل كبير. كما أن ما يسمّى «صلاة الآيات» تؤكد الترابط بين العبادة والظواهر الكونية، فعندما يحدث كسوف للشمس أو خسوف للقمر، فهناك صلوات خاصة يؤدّيها المؤمن لتكتمل حلقة التكامل بين الله والإنسان والطبيعة. فعندما خُسف القمر بشكل كامل قبل بضعة أسابيع وجزئيا في الأيام الأخيرة من شهر أغسطس، أدّى المسلمون صلاة خاصة بذلك. وبرغم الاختلافات الفقهية بين المسلمين فهناك اتفاق عام على ضرورة التواصل مع الله من خلال صلوات خاصة عندما تحدث الظواهر الكونية، لتأكيد العلاقة بين الشرع والحياة. وثمة ظاهرة أخرى تقلق العالم وترتبط بما يسمى ظاهرة النينو. وفي الأسبوع الماضي أعلنت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، أن ظاهرة «النينيو» الجوية التي تتشكل خلال العام الجاري مرشحة ‌لأن تكون الأقوى في التاريخ الحديث، والأسوأ في الذاكرة المعاصرة، ويرجح أن تكون الأكبر من نوعها منذ القرن التاسع عشر، وأن عام 2027 مرشح بقوة لتجاوز ‌عام ‌2024 ‌بوصفه العام الأشد حرارة على الإطلاق. وقد انتشرت الحرائق في بلدان أوروبية لم تحدث فيها حرائق من قبل، بعد أن جفّت الأراضي وذبلت الأشجار وازدادت قابليتها للاحتراق. كما اندلعت حرائق كبيرة في الجزائر، نجم عنها وفاة اثني عشر شخصا. في مناطق عديدة، ويُتوقع استمرار تلك الحرائق مع استمرار الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.

في ضوء ما تقدّم فإن الفيضانات التي حدثت في النيبال والتبت، ظاهرة طبيعية تستدعي أداء الصًلاة تقديسا لله عزّوجل. لقد كانت كارثة كبرى هزّت المنطقة وما تزال تداعياتها تتواصل مع ارتفاع أعداد الضحايا. يضاف إلى ذلك ان ما يعانيه العالم من ارتفاع درجات الحرارة وما نجم عن ذلك من حرائق مدمّرة تأتى على الأخضر واليابس أصبح همًّا يقضّ مضاجع المعنيّين بمتابعة الطقس واستشراف مخاطر تغيّره على الحياة البشرية. ولطالما اتجه الحديث في مثل هذه الظروف إلى دور الإنسان في حدوث الظروف المؤاتية لتلك الظواهر. فالتوسع العمراني غير المدروس وتغيير معالم الطبيعة يساهمان بشكل كبير في تحويل الأمطار العادية إلى كوارث طبيعية. كما أن استبدال المساحات الخضراء والتربة بالإسفلت والخرسانة يمنع الأرض من امتصاص مياه الأمطار. ولذلك فهناك ضرورة لحملات دولية واسعة من أجل التثقيف بهذه الحقائق وحث البشر على التوقف عن إيذاء الطبيعة والحدّ من ظاهرة التصحّر التي تنجم عن تدمير الغابات على نطاق واسع. مطلوب أيضا تكثيف دراسة المناخ والبيئة الجغرافية لتفادي المناطق المهيّاة لحدوث الزلازل والبراكين والفيضانات، وذلك للتقليل من المخاطر التي ستنجم عنها حين تحدث. وليس مستبعدا أن تكون أعمال الحفر والتنقيب واستخراج النفط والمعادن من باطن الأرض ذات أثر على التوازن البيئي. كما أن ردم الأراضي البحرية (أو ما يسمى استصلاحها) لا يتم بدون حدوث مخاطر بيئية، خصوصا مع استخدام آلات عملاقة وأنابيب ضخمة لجلب الرمال أو طمي البحر ورفع مستوى قاع الماء ليصبح يابسة فوق مستوى سطح البحر.

ولا شكّ أن دور منظمات الإغاثة الدولية والصناديق الخيرية الدولية والفرق الطبية والإمدادات العاجلة لإنقاذ الناجين وتقييم الاضرار ضروري جدّا. هذه الجهود تبعث على الفخر باستمرار حيوية الضمير الإنساني، وهو ما يخفف من معاناة الضحايا بشكل كبير. والأمل أن يستمر هذا الدعم، لتخفيف معاناة الضحايا، فذلك ما يضفي على الإنسانية معناها وما يعمّق قيم التضامن والتكافل بين أبناء المجتمع الإنساني.

*المصدر: صحيفة السوسنة الأردنية | assawsana.com
اخبار الاردن على مدار الساعة