اخبار الاردن

صحيفة السوسنة الأردنية

منوعات

سُوقُ جَهَنَّمَ

سُوقُ جَهَنَّمَ

klyoum.com

السوق ينبض منذ الفجر كقلب متعب، يئن من ثقل البشر والطمع، الشوارع ضيقة مثل عروق ميتة، والهواء محمّل برائحة الرطوبة والبضائع الفاسدة والوعود الكاذبة، كل بائع يبتسم كأنه يعرف سر الموت، كل مشتري يظن أنه يشتري سلعة، لكنه في الحقيقة يبيع جزءًا من ضميره، كل زقاق يحمل صوت صخب لا يتوقف، كأن المدينة نفسها تصرخ في وجوه المارين.

في الزاوية المظلمة، جلست امرأة ترتجف تحت عباءة رمادية، عيونها تحترق من الجوع والخذلان، لكنها لم تستسلم، فهي تعرف أن كل خطوة في السوق لعبة، كل صفقة اختبار لضميرها الذي يشبه قطعة زجاج حادة يمكن أن تقطع نفسها أو الآخرين.

بائع الخضار، وجهه أشبه بكتاب مفتوح من الحقد والدهشة، يضع على ميزانه الفواكه وكأنها أحلام، وكل تفاحة لم تُشترَ تحمل صرخة طفل يتيم يراقبه من خلف الجدران.

في قلب السوق، رجل محتكر يضحك بصوت معدني، أصابعه صفراء من المال والرشاوي، يتاجر بالمأساة كأنه تاجر ذهب، يشتري حاجات الناس الأساسية بأسعار لا يصدقها عقل، ويبيعها للضعفاء كما لو كانوا عبيدًا، كل ضحكة منه تشبه صهيل حصان على جمر، وكل قرار يوقعه يُشعل نارًا في أعماق المدينة، فلا أحد ينجو من قبضه، لا فقير ولا غني، لا بائع ولا مشتري.

أما الأطفال الذين يركضون بين الأرصفة، فهم يشبهون الظلال المشتتة، عيونهم واسعة من الخوف والفضول، أحلامهم تُقطع قطعة قطعة، وكل ضحكة منهم تتحول إلى ريشة تُلقي في طاحونة السوق، لتصنع غبارًا يغطي الأرصفة ويجعل كل من يمشي عليها يختنق بالواقع.

حتى السمك في صناديق البائعين يبدو وكأنه يصرخ بصمت، عيونها تراقب كل من يحاول خداع الآخر، وكل صفقة مشوهة تجعلها تتحرك بعنف، وكأن السوق نفسه يتنفس.

عامل النظافة يلتقط ورقة ممزقة عليها عنوان مشتري فقير، يقرأها بصمت: "حلم بيت"، ويضعها في صندوق مهملات السوق، كأن أحلام الفقراء تتحلل هنا قبل أن تصل إلى الحياة.

كل خطوة له على الأرض الرطبة تصنع أصواتًا تشبه الرعد البعيد، كل قطرة ماء تسقط من سقف السوق كأنها دمعة المدينة كلها، والبرق يكشف وجوه البشر الحقيقية للحظة خاطفة: وجوه مشوهة من الطمع، من الجشع، من الخوف، ومن الرغبة في النجاة بأي ثمن.

في منتصف السوق، شاب يحاول البيع، عينه تلمع بالأمل، لكنه لا يعرف أن كل ابتسامة زبون تحمل خنجرًا خفيًا، كل صفقة صداقة مؤقتة، كل كلمة لطيفة هي شبكة تُسقطه في فخ السوق. الفقراء يبيعون بضاعتهم الصغيرة، الغني يشتري النفوس، كل شيء متاح، وكل شيء ثمنه روح من يشتري أو يبيع، حتى الهواء نفسه يبدو ثمنه باهظًا، كل نفس مأخوذة من آخر دمعة.

أما السماء، فقد صارت خزانة سوقية، غيوم سوداء كثيفة، المطر كالحديد المصهور يسقط على الأجساد، والبرق يكشف للمارين أن السوق لم يكن مجرد مكان، بل كيان حيّ، جائع، لا يرحم، لا ينام.

كل شخص يدخل يصبح جزءًا من السوق، وكل خروج منه يعني أن جزءًا منه سيبقى هناك، معلّقًا في الزوايا، انعكاس لمخاوفه وطموحه الميت، كل ضحكة، كل دمعة، كل وعد كاذب، كل صرخة صامتة، تُضاف إلى سجل السوق الأبدي، سجل جشع البشر وفسادهم، وغياب الرحمة الذي يلتهم المدينة من الداخل.

من يظن أنه خرج يكتشف أنه لم يخرج أبدًا، السوق يلتصق به، يتسلل إلى قلبه، يقرأ أفكاره، يعرف نقاط ضعفه، ويتركه يعيد نفسه مرارًا في اللعبة نفسها، كأن السوق هو الحياة، والمدينة كلها، وجشع البشر هو قانون الطبيعة، والرحمة مجرد ذكرى يتلاشى صداها في أروقة السوق.

*المصدر: صحيفة السوسنة الأردنية | assawsana.com
اخبار الاردن على مدار الساعة