افتتاحية زاد الأردن : بين المؤشرات... وثقة المواطن
klyoum.com
أخر اخبار الاردن:
نتائج القبول الموحد اليوم .. انتبهوا لموعدين مهمينزاد الاردن الاخباري -
في كل مرحلة اقتصادية، تتحدث الحكومات بالأرقام، ويتحدث المستثمرون بالمؤشرات، ويتحدث الخبراء بالتحليلات. لكن يبقى هناك مؤشر لا يظهر في الجداول ولا تصدره المؤسسات الدولية، رغم أنه الأكثر تأثيرًا في مستقبل أي دولة... ثقة المواطن.
فقد تحقق الدولة نموًا اقتصاديًا، أو تجذب استثمارات جديدة، أو تنفذ مشاريع استراتيجية، لكن النجاح الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن أن هذه المؤشرات تلامس حياته اليومية، وتنعكس على فرص العمل، ومستوى المعيشة، وجودة الخدمات، وقدرته على التخطيط لمستقبل أسرته بثقة واطمئنان.
وفي الأردن، لا يمكن إنكار وجود جهود ومشاريع اقتصادية يجري العمل عليها، كما لا يمكن تجاهل التحديات التي ما تزال تواجه الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها البطالة، وارتفاع كلف المعيشة، وضغوط الأسواق، وتطلعات الشباب إلى فرص حقيقية تفتح أمامهم أبواب المستقبل. وبين هذه الصورة وتلك، تبقى الثقة هي الجسر الذي يربط السياسات بنتائجها.
فالاقتصاد لا يقوم على الأرقام وحدها، بل يقوم أيضًا على الإحساس العام بالاستقرار والقدرة على التقدم. وعندما يثق المستثمر ببيئة الأعمال، ويثق المواطن بأن الإصلاحات ستنعكس على حياته، ويثق الشباب بأن الفرص ستُبنى على الكفاءة لا على الحظ، فإن الاقتصاد يكتسب قوة لا توفرها المؤشرات المالية وحدها.
ومن هنا، فإن بناء الثقة لا يتحقق بالوعود، بل بالاستمرارية. فالمواطن لا ينتظر حلولًا سحرية، لكنه ينتظر أن يرى خطوات واضحة، ونتائج قابلة للقياس، وسياسات تتسم بالوضوح والثبات. فالإنجاز الحقيقي ليس في الإعلان عن المشاريع، بل في وصول أثرها إلى حياة الناس.
ولعل ما يحتاجه الأردن اليوم هو الاستمرار في ترسيخ بيئة اقتصادية مستقرة، وتحفيز الاستثمار، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بالتوازي مع الاستثمار في الإنسان، باعتباره الركيزة الأساسية لأي عملية تنموية. فالتنمية لا تُقاس بحجم الإنفاق فقط، وإنما بقدرتها على خلق فرص مستدامة، وتحقيق العدالة في توزيع ثمار النمو.
كما أن الثقة مسؤولية مشتركة. فهي تبدأ من مؤسسات تعمل بكفاءة وشفافية، وتتعزز بإعلام مهني يقدم الحقائق بعيدًا عن التهويل أو التهوين، وتكتمل بمجتمع يشارك في البناء بالنقد المسؤول، والفكرة الجادة، والعمل المنتج.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تنجح في تجاوز التحديات ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الموارد، بل تلك التي تنجح في بناء علاقة متينة من الثقة بين الدولة ومواطنيها. وعندما تصبح هذه الثقة راسخة، تتحول التحديات إلى فرص، وتصبح الإصلاحات أكثر قبولًا، ويغدو المستقبل أكثر وضوحًا.
وفي النهاية، تبقى المؤشرات الاقتصادية مهمة، لكنها لا تكتمل إلا بمؤشر واحد لا يمكن قياسه بالأرقام وحدها... أن يشعر المواطن بأن الغد أفضل من الأمس، وأن ما يُبنى اليوم سيكون له نصيب منه غدًا. فهناك تبدأ التنمية الحقيقية، وهناك يكتسب كل رقم معناه.