كل يوم جريمة… فهل تبدأ الحكاية من «أكو عرب بالطيارة» ؟
klyoum.com
أخر اخبار الاردن:
انطلاقة صعبة لتونس وليبيا في تصفيات أمم إفريقيازاد الاردن الاخباري -
الكاتب : احمد محمود عبد الرحيم مريان - في السنوات الأخيرة، أصبحت أخبار الجرائم تتصدر المشهد المحلي بصورة تكاد تكون يومية. فما إن يستفيق المجتمع من صدمة جريمة، حتى يجد نفسه أمام أخرى أشد قسوة وأكثر إيلامًا. ولا شك أن الجريمة ظاهرة معقدة تتداخل في تشكيلها عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وأسرية عديدة، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد. ومع ذلك، يبرز سؤال يستحق أن يحظى باهتمام المختصين في التربية وعلم النفس: هل يمكن أن تسهم الألعاب الإلكترونية القتالية، إلى جانب عوامل أخرى، في تشكيل بعض أنماط السلوك العدواني لدى الأطفال واليافعين؟
شهدت الألعاب الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة تطورًا هائلًا، فلم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت عوالم افتراضية تحاكي الواقع بدرجة كبيرة. ففي كثير من الألعاب يدخل اللاعب إلى ساحات قتال تبدأ بعبارات مألوفة لدى ملايين الأطفال والشباب، مثل: «هذه ليست مجرد لعبة… إنها معركة للبقاء»، ثم يخوض مواجهات ضد لاعبين حقيقيين من مختلف أنحاء العالم، حيث يعتمد الفوز على إقصاء المنافسين وجمع المكافآت والتقدم في اللعبة.
ويعزز هذا النمط نظام المكافآت الذي تعتمد عليه معظم الألعاب القتالية، إذ يحصل اللاعب على نقاط وترقيات كلما تمكن من إقصاء عدد أكبر من المنافسين. لذلك أصبح من المألوف أن نسمع أطفالًا يتباهون بعبارات مثل: «قتلت خمسة» أو «قتلت عشرة». ورغم أن المقصود هو العالم الافتراضي، فإن تكرار هذه اللغة وربطها بالإنجاز والتفوق يستدعي التوقف عنده تربويًا، خاصة في المراحل العمرية التي لا تزال الشخصية فيها في طور التكوين.
ولا يعني ذلك أن كل طفل يمارس هذه الألعاب سيصبح شخصًا عدوانيًا أو سيرتكب جريمة، فالسلوك الإنساني أكثر تعقيدًا من أن يُفسر بعامل واحد، كما أن كثيرًا من الألعاب الإلكترونية تسهم في تنمية التفكير والعمل الجماعي. لكن الحديث هنا يقتصر على الألعاب التي يكون العنف فيها الوسيلة الأساسية لتحقيق الفوز.
وتشير دراسات في علم النفس إلى أن التعرض المتكرر للمحتوى العنيف قد يسهم في ما يعرف بـ«إزالة الحساسية العاطفية»، أي انخفاض الاستجابة الانفعالية تجاه مشاهد العنف نتيجة تكرار التعرض لها. وهذا لا يقود بالضرورة إلى السلوك العدواني، لكنه قد يجعل بعض الأطفال أكثر اعتيادًا على مشاهد العنف، خاصة إذا ترافق ذلك مع غياب الرقابة الأسرية، وضعف التوجيه، والاستخدام المفرط لهذه الألعاب.
ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق بالدعوة إلى منع الألعاب الإلكترونية أو تحميلها مسؤولية الجرائم في المجتمع، وإنما بالتعامل معها بوعي أكبر. فالأسرة والمدرسة مطالبتان بتعزيز مفهوم التنشئة الرقمية، من خلال متابعة نوعية الألعاب التي يمارسها الأبناء، وتنظيم أوقات استخدامها، والحوار معهم حول ما يشاهدونه في العالم الافتراضي، حتى يدركوا الفرق بين المنافسة داخل اللعبة والقيم التي ينبغي أن تحكم سلوكهم في الحياة الواقعية.
كما أن هذا الملف يستحق أن يتحول إلى نقاش وطني تشارك فيه المؤسسات التربوية، والمتخصصون في علم النفس والطفولة، والجهات المعنية، لمراجعة آليات تصنيف الألعاب الإلكترونية، والحد من وصول الأطفال إلى الألعاب غير المناسبة لأعمارهم، إلى جانب نشر الوعي بالتنشئة الرقمية بوصفها جزءًا أساسيًا من مسؤولية الأسرة والمؤسسات التعليمية.
وإذا كنا نتفق جميعًا على أن الجريمة لا تُفسَّر بسبب واحد، فمن المنطقي أيضًا ألا نستبعد أي عامل قد يسهم في تشكيل السلوك، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال. فربما لا تصنع لعبة واحدة مجرمًا، لكنها قد تكون جزءًا من بيئة يعتاد فيها الطفل على مشاهد العنف، ويُربط فيها التفوق بإقصاء الآخرين. ولهذا، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الأسرة، والمدرسة، وصنّاع القرار: هل نكتفي بالصدمة بعد كل جريمة، أم نبدأ بمناقشة كل ما قد يسهم في الوقاية منها قبل أن تتحول الصدمة إلى خبر جديد؟
أحمد محمود عبد الرحيم مريان ، باحث ومتخصص في الطفولة المبكرة وحماية الطفل، حاصل على درجة الماجستير في الطفولة المبكرة، ويتمتع بخبرة في الدعم النفسي والاجتماعي والبرامج الإنسانية والتوعوية الموجهة للأطفال والأسر