القبول الموحد .. حين يصبح التفوق غير كافٍ
klyoum.com
أن يحصل طالب أردني على معدل 88% في الثانوية العامة، ثم يفتح شاشة القبول الموحد منتظرا اسم الجامعة والتخصص، فتظهر أمامه كلمتان فقط: «غير مقبول»، فالمسألة هنا أكبر من خيبة طالب وأسرته.
معدل 88% لا يمنح صاحبه، بطبيعة الحال، حقًا مضمونًا في الهندسة أو تخصص بعينه. القبول الجامعي منافسة، والمقاعد محدودة، ولكل تخصص حد ينتهي إليه وفق أعداد المتقدمين ومعدلاتهم ورغباتهم.
لكن عندما ينتهي طالب بهذا المعدل، وآلاف غيره، إلى خارج الترشيح تماما، يصبح السؤال مشروعًا: هل أخطأ هؤلاء جميعًا في الاختيار، أم أن في طريقة الاختيار نفسها ما يستحق المراجعة؟
نتائج القبول الموحد للعام الجامعي 2026/2027 وضعت السؤال أمامنا بالأرقام. تقدم 71,014 طالبًا وطالبة بطلبات صحيحة ومسددة الرسوم، ورُشح 46,355 للقبول، فيما لم يرشح 24,686 طالبًا وطالبة، أي نحو 35% من المتقدمين. وفي المقابل، حصل 26,130 طالبًا، يمثلون 56% من المقبولين، على أحد خياراتهم الخمسة الأولى.
وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية تقول إن نسبة الترشيح، البالغة 65%، لا تبتعد كثيرًا عن السنوات السابقة؛ فقد كانت 68% في 2024/2025، ثم 62% في 2025/2026. وهذه مقارنة مهمة، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال.
لأننا لا نتحدث عن نسبة في جدول.
خلف نسبة الـ35% نحو خمسة وعشرين ألف شاب وشابة لم يحصل أي منهم على مقعد من الخيارات التي تقدم بها.
ووُضع هؤلاء تحت عنوان أصبح مألوفًا في قاموس القبول الجامعي: «إساءة الاختيار».وهنا تحديدًا ينبغي أن نتوقف.
هل أساء 24,686 طالبًا الاختيار؟ أم أن هذا الرقم، بحجمه، يقول إن المشكلة لا يمكن تحميلها للطالب وحده؟
الإنصاف يقتضي القول إن وحدة القبول الموحد لم تترك الطالب بلا معلومات. فقد أتاحت قبل تقديم الطلب الحدود الدنيا للقبول التنافسي في السنوات الخمس السابقة، إلى جانب الإرشادات والفيديوهات التوضيحية. ومن واجب الطالب وأسرته الاطلاع عليها وعدم ملء الطلب برغبات كلها بعيدة عن معدله.
لكن هناك فرقًا بين إتاحة المعلومة وبين تحويلها إلى قرار يستطيع طالب في الثامنة عشرة اتخاذه بأقل قدر من المخاطرة.
فالحدود التنافسية السابقة ليست الحدود المقبلة، والطالب لا يعرف عند تقديم طلبه أين ستستقر المنافسة ولا حجم الإقبال النهائي على كل تخصص. وقد يقرأ الأرقام كلها ثم يكتشف، بعد إعلان النتائج، أنه لم يصل إلى أي خيار.
والمفارقة أن النظام نفسه يعود بعد ظهور النتائج ليقدم له المساعدة التي كان يحتاج جزءًا منها قبل النتيجة.
فقد فُتح الباب لغير المقبولين لتقديم ثلاثة خيارات جديدة، وتظهر للطالب إلكترونيًا التخصصات التي يسمح معدله بالمنافسة عليها وفق الحدود التي أعلنت، ويبقى القبول مرتبطًا بتوافر الشاغر.
بعبارة أبسط: بعدما نقول للطالب «غير مقبول»، تصبح المنصة أكثر قدرة على إخباره بما يناسب معدله.
لماذا لا نقترب من هذه الفكرة قبل أن يصل إلى «غير مقبول»؟
لماذا لا يتحول طلب القبول من استمارة يسجل فيها الطالب رغباته إلى نظام إرشاد حقيقي يقول له، قبل تثبيت الطلب: انتبه، اختياراتك كلها مرتفعة المخاطر؟
يمكن للمنصة، اعتمادًا على بيانات خمس سنوات، أن تصنف الخيارات بصورة استرشادية: طموحة، واقعية، وأكثر أمانًا. ليس وعدًا بالقبول، ولا تنبؤًا بحدوده النهائية، بل جرس إنذار يمنع طالبًا من وضع مستقبله كله في سلة واحدة.
لكن نتائج هذا العام كشفت مشكلة أخرى تتجاوز «إساءة الاختيار»، وهي العلاقة بين القبول الموحد ونظام الحقول الجديد.
هناك 607 تخصصات بكالوريوس مطروحة في تسع جامعات حكومية إضافة إلى جامعة العلوم الإسلامية العالمية، لكن وجود هذا العدد الكبير لا يعني أن كل طالب يستطيع المنافسة عليها؛ فالحقل الذي اختاره في المرحلة الثانوية يرسم مسبقًا جزءًا مهمًا من حدود الخريطة الجامعية التي ستكون مفتوحة أمامه.
ثم جاءت تعديلات بعد ظهور النتائج.
أصبح بإمكان طلبة الحقل الصحي التقدم إلى مجموعة من التخصصات الهندسية، بينها الهندسة الطبية وهندسة الأجهزة الطبية والهندسة الطبية الحيوية والهندسة الكيماوية ومشتقاتها. كما فُتحت أمام طلبة حقل الشريعة والقانون تخصصات اللغة العربية.
وهنا لا ينبغي أن يكون النقاش حول التعديل ذاته فقط. فقد يكون توسيع الخيارات قرارًا صحيحًا إذا كان يستند إلى دراسة أكاديمية سليمة.
السؤال الأهم: لماذا لم تكن هذه الخيارات محسومة وواضحة منذ تصميم الحقول؟
إذا أثبت التطبيق أن طالب الحقل الصحي مؤهل لتخصصات هندسية معينة، فهذا جيد، لكن ذلك يستدعي أيضًا التأكد من أن البناء المدرسي الذي تلقاه يوفر له المتطلبات العلمية اللازمة للدراسة الجامعية، أو تحديد ما يحتاج إليه من متطلبات استدراكية. فالانتقال بين الحقول لا ينبغي أن يكون مجرد فتح خانة جديدة في شاشة القبول؛ إنه قرار أكاديمي يجب أن يقوم على تسلسل معرفي واضح.
وهذه هي المشكلة في أي نظام تعليمي جديد: كثرة الاستثناءات اللاحقة لا تعني بالضرورة أن النظام فشل، لكنها مؤشر يستحق الفحص. وإذا أصبحت القاعدة بحاجة في أول اختبار حقيقي لها إلى فتح مسارات وإعادة توزيع تخصصات وإضافة خيارات، فمن حق الناس أن يسألوا عما إذا كانت الخريطة قد اكتملت قبل بدء الرحلة.
أما الطب، فيقدم مثالًا آخر على الحاجة إلى سياسة مستقرة يمكن للطالب والأسرة فهمها.
قبل سنوات، وُضعت خطة تدريجية لتقليص أعداد المقبولين في الطب في الجامعات الرسمية، حتى يصل العدد إلى 640 طالبًا، وكان التبرير الرسمي واضحًا: الالتزام بالطاقة الاستيعابية، وحماية جودة المخرجات، والحد من التوسع في البطالة بين الخريجين.
لكن في التاسع من أيلول الحالي تقرر رفع العدد في البرنامج العادي من 640 إلى 840 طالبًا، ورفع مقاعد طب الأسنان من 320 إلى 400، إلى جانب زيادة القبول في الموازي وزيادة مقررة في الجامعات الخاصة. والتبرير الرسمي هذه المرة كان توفير فرص أكبر داخل الأردن، والحد من توجه الطلبة لدراسة التخصصات الطبية في الخارج، والحفاظ على الأموال التي تنفقها الأسر هناك.
قد تكون لكل من السياستين حججها.
لكن الأسرة الأردنية يحق لها أن تسأل: ما السياسة المستقرة التي تستطيع أن تبني عليها قرارها؟
هل الأولوية تقليل أعداد المقبولين لحماية الجودة والحد من البطالة، أم زيادة المقاعد لمنع خروج الطلبة والأموال إلى الخارج؟
يمكن التوفيق بين الهدفين إذا تغيرت الطاقة الاستيعابية فعلًا وأثبتت معايير الاعتماد قدرة الجامعات على استقبال أعداد إضافية. لكن المطلوب عندئذ شرح هذا التحول للرأي العام بالأرقام، حتى تبدو السياسة نتيجة تخطيط متراكم لا استجابة موسمية لضغط القبول.
والمنافسة على الطب تكشف حجم الأزمة. أقل معدل تنافسي للطب هذا العام بلغ 97.6% في جامعة مؤتة، بعدما كان أدنى حد في العام الماضي 96.45%. معنى ذلك أن طالبًا بمعدل يراه المجتمع استثنائيًا قد لا يجد مقعدًا في الطب ضمن المنافسة العادية.
لا يمكن أن نقول إن كل صاحب معدل مرتفع له حق مكتسب في دراسة الطب؛ فالمقاعد والطاقة الاستيعابية والجودة حق للمجتمع أيضًا. لكن من حق الطالب أن يفهم فلسفة القرار، ومن حق الأسرة أن تعرف لماذا تستطيع أو لا تستطيع الحصول على الفرصة، وأين تنتهي الاعتبارات الأكاديمية وتبدأ اعتبارات سوق العمل.
ثم هناك البعد الاقتصادي الذي كثيرًا ما يختفي خلف الأرقام.
فالطالب الذي لا يحصل على مقعد مناسب في جامعة رسمية لا يختفي من المشهد. يبدأ البحث عن الموازي، أو جامعة خاصة، أو جامعة خارج الأردن، أو تخصص لم يكن يريده أصلًا. هنا تتحول نتيجة القبول من مسألة أكاديمية إلى فاتورة مالية قد تستطيع أسرة دفعها وتعجز عنها أخرى.
وهذا يعيدنا إلى طالب الـ88%.
قضيته ليست أنه يستحق تخصصًا محددًا بقوة معدله. قضيته أنه يمثل سؤالًا أكبر: هل فعل النظام كل ما يستطيع كي يمنحه فرصة واعية وعادلة قبل أن يكتب أمام اسمه «غير مقبول»؟
المطلوب ليس هدم القبول الموحد، ولا فتح الجامعات بلا سقوف، ولا تحميل وزارة واحدة كل مشكلات التعليم المدرسي والجامعي.
المطلوب مراجعة صريحة بعد أول اختبار فعلي لنظام الحقول مع القبول الجامعي: كم طالبًا أغلقت خياراته بسبب الحقل؟ ما المسارات التي اضطررنا إلى فتحها لاحقًا؟ لماذا لم تكن مفتوحة منذ البداية؟ هل المواد التي درسها الطالب تؤهله فعلًا للتخصصات الجديدة؟ وما الذي يمكن فعله حتى لا يبقى ربع الطلبة أو ثلثهم كل عام خارج الترشيح ثم نبدأ بمعالجة أوضاعهم بعد إعلان النتائج؟
ولا يكفي أن نقول إن النسب قريبة من الأعوام السابقة.
إذا كانت المشكلة قديمة، فإن استمرارها لا يجعلها طبيعية.
لدينا اليوم البيانات والخوارزميات والقدرة التقنية التي تجعل القبول الموحد أكثر من ماكينة لتوزيع المقاعد. يمكن أن يصبح مستشارًا للطالب قبل تقديم طلبه، وأن يحذره قبل الخطأ بدل أن يصنفه بعده ضمن «إساءة الاختيار».
التعليم ليس مجرد أرقام تُرحّل من شاشة إلى أخرى، ولا الطالب رقمًا ينتهي دوره عند إعلان القوائم. خلف كل طلب أسرة، وخلف كل معدل سنوات من الدراسة، وخلف كل قرار قبول مستقبل قد يمتد أربعين عامًا.
لذلك، فإن القضية ليست أن يحصل كل طالب على ما يريد.
القضية أن يعرف الطالب، قبل أن يختار، أين يقف وما الخيارات الحقيقية أمامه، وأن تكون قواعد الطريق مستقرة وواضحة ومدروسة قبل أن يبدأ السير فيه.
فالقبول الموحد العادل لا يبدأ عند إعلان النتائج.
يبدأ قبل أن يضغط الطالب زر «إرسال الطلب».