صلة الرحم… جنة الدنيا والآخرة – ماجد دودين
klyoum.com
أخر اخبار الاردن:
الوحدات يتعاقد مع المدرب المصري عماد النحاسصلة الرحم… جنة الدنيا والآخرة – ماجد دودين
فطرة الإنسان بين الأنس والوحدة
تقتضي فطرة الإنسان وطبيعته أن يكره الوحدة والانفراد، وأن يحب الاجتماع والاختلاط بالبشر، خاصة الأقربين منهم؛ لذا قالوا: "الإنسان كائن اجتماعي"، لدرجة أن أقوامًا بالغوا فقالوا في أمثالهم: "جنة بغير ناس لا تُداس" – يقصدون: لا تُسْكَن! لكن يشذ عن هذه القاعدة أناس أبوا وأصرّوا إلا أن ينفردوا عن البشر ويقاطعوهم حتى أقرب الأقربين إليهم! وهذا ما نسميه في الإسلام بقطيعة الأرحام.
الرحم في ميزان الشرع
ولقد شدد شرعنا في أمر الرحم تشديدًا، وأكد تأكيدًا، حتى لقد جعل للرحم جسدًا به تقوم وتقعد، ولسانًا به تتكلم وتفصح. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَلَقَ اللهُ الخلقَ، فلمَّا فرغَ منه، قامت الرَّحِمُ فأخذت بحَقْو الرَّحمن، فقال له: مَه، قالت: هذا مقامُ العائذِ بك من القَطِيعة، قال: ألَا تَرْضَيْنَ أنْ أصِلَ مَن وصلكِ، وأقطعُ مَن قطعكِ، قالت: بلى يا ربِّ، قال: فذاك». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرءوا إن شئتم: {فهل عسيتُم إنْ تولَّيتُم أن تُفْسِدوا في الأرض وتُقَطِّعوا أرحامَكم}، وفي رواية للبخاري: فقال الله: (من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته). [صحيح] – [متفق عليه]
قوله: «خَلَقَ اللهُ الخلقَ، فلمَّا فرغَ منه» أي: انتهى من خلق المخلوقات، وهو يدل على أن ذلك وقع في وقت محدد، وإن كان الله تعالى لا حدَّ لقدرته، ولا يشغله شأن عن شأن، ولكن اقتضت حكمته أن يجعل لفعله ذلك وقتًا معينًا، وهذا من الأدلة على أن أفعاله تتعلق بمشيئته، فمتى أراد أن يفعل شيئا فعله. وليس معنى قوله: «لما فرغ» أنه تعالى انتهى من خلق كل شيء، بل مخلوقاته تعالى لا تزال توجد شيئا بعد شيء، ولكن سبق علمه بها، وتقديره لها وكتابته إياها، ثم هي تقع بمشيئته، فلا يكون إلا ما سبق به علمه، وتقديره وكتابته، وشاءه فوجد. قوله: «قامت الرَّحِمُ فأخذت بحَقْو الرَّحمن، فقال له: مَه» هذه الأفعال المسنَدة إلى الرحم، من القيام والقول، ظاهر الحديث أنها على ظاهرها حقيقة، وإن كانت الرحم معنى يقوم بالناس، ولكن قدرة الله تعالى لا تُقاس بما يعرفه عقل الإنسان، وهذا الحديث في الجملة من أحاديث الصفات، التي نص الأئمة على أنها تُمَرُّ كما جاء، وردُّوا على من نفى موجبه. وليس ظاهر هذا الحديث أن لله إزاراً ورداءً من جنس الملابس التي يلبسها الناس، مما يصنع من الجلود والكتان والقطن وغيره، قال تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير). قوله: «قالت: هذا مقامُ العائذِ بك من القَطِيعة» هذا أعظم مقام، والعائذ به استعاذ بأعظم معاذ، وهو دليل على تعظيم صلة الرحم، وعظم قطيعتها، والقطيعة: عدم الوصل، والوصل: هو الإحسان إلى ذوي القرابة، والتودُّد لهم والقرب منهم، ومساعدتهم، ودفع ما يؤذيهم، والحرص على جلب ما ينفعهم في الدنيا والآخرة. قوله: «قال: ألَا تَرْضَيْنَ أنْ أصِلَ مَن وصلكِ، وأقطعَ مَن قطعكِ، قالت: بلى يا ربِّ، قال: فذاك» فمن وصل قرابته وصله الله، ومن وصله الله، وصل إلى كل خير وسعادة في الدنيا والآخرة، ولا بد أن تكون نهايته مجاورة ربه في الفردوس؛ لأن الوصل لا ينتهي إلا إلى هناك فينظر إلى وجه ربه الكريم. ومن قطع قرابته قطعه الله، ومن قطعه الله فهو المقطوع مع عدو الله الشيطان الطريد الرجيم.
من فوائد الحديث
عقوبة عاجلة وآجلة
ومن سخَط الله عز وجل على قاطع الرحم أنه يعجل له عقوبته في الدنيا؛ فعن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:)) مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ البَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ ((. [صحيح] – [رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه]
ما من ذنب أحق وأولى بتعجيل الله سبحانه لصاحب هذا الذنب عقوبته في الدنيا مع ما يحفظه له من العقوبة في الآخرة من الظلم والاستعلاء على غيره بغير حق، ومن قطيعة الأرحام وعدم صلة الأقرباء.
ولقد عدَّ الله الجليل سبحانه وتعالى قطيعة الرحم من الإفساد في الأرض، فقال: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 22-23].
أعمال قاطع الرحم مردودة
بل ولا يقبل الله تعالى من قاطع الرحم عملًا ما دام على معصيته لم يتب منها؛ فعن سليمان مولى عثمان بن عفان قال: جاءنا أبو هريرة عشية الخميس ليلة الجمعة فقال: "أحرّج على كل قاطع رحم لما قام من عندنا"، فلم يقم أحد حتى قال ثلاثًا، فأتى فتى عمة له قد صرمها منذ سنتين، فدخل عليها، فقالت له: يا ابن أخي، ما جاء بك؟ قال: سمعت أبا هريرة يقول كذا وكذا، قالت: ارجع إليه فسله: لم قال ذاك؟ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أعمال بني آدم تعرض على الله تبارك وتعالى عشية كل خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحم" (رواه البخاري في الأدب، وحسنه الألباني).
من أبغض الأعمال إلى الله
ولا عجب إذن أن تكون قطيعة الرحم من أبغض الأعمال إلى الله تعالى؛ فلقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أبغض إلى الله؟ قال: "الإشراك بالله"، قال: قلت: يا رسول الله، ثم مه؟ قال: "ثم قطيعة الرحم" (رواه أبو يعلى، وحسنه الألباني).
بين الجنة والنار
وجعل الله تعالى صلة الرحم من مسوغات دخول الجنة، وقضى بأن قطيعتها من أسباب الحرمان منها – والعياذ بالله. فأما الدليل على الأولى فما رواه أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرني بعمل يدخلني الجنة؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم" (متفق عليه). وأما الدليل على الثانية فقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة قاطع رحم" (رواه مسلم).
ثمرات الوصل في الدنيا والآخرة
ورب سائل يقول: تخوفنا من القطيعة، وإننا بحمد الله لرحمنا واصلون! فما لنا عند الله سبحانه وتعالى؟
ونقول: الخير كله لك إن فعلت ذلك ابتغاء مرضاة الله تعالى؛ ففي الصحيحين: " عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ). [صحيح] – [متفق عليه] – [صحيح البخاري – 5986]
يَحُثُّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على صِلة الأقاربِ بالزيارة والإكرام البدني والمالي وغير ذلك، وأنها سببٌ في سَعة الرزق وطول العمر.
وصلتك لرحمك علامة إيمانك؛ ففي الصحيحين أيضًا: "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه".
وهي طريق لك إلى الجنة؛ فعَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ قِبَلَهُ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ، ثَلَاثًا، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ، عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ:يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ. [صحيح] – [رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد] – [سنن ابن ماجه – 3251]
لما جَاءَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينة، ورآه الناس اتجهوا ناحيتَه مسرعين، وممن توجه إليه عبد الله بن سَلَامٍ رضي الله عنه وكان من اليهود، فلما رآه عرف أن وجهه ليس بوجه كذاب؛ لِمَا يبدو عليه من النور والجمال والهيبة الصادقة، فكان أول شيء سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أنه حث الناس على أعمال تكون سببًا في دخول الجنة، ومنها:
أولًا: نشر تحية السلام وإظهاره والإكثار منه على مَن عرفت ومن لم تعرف.
ثانيًا: إطعام الطعام بالصدقة والهدية والضيافة.
ثالثًا: صلة الأرحام بمن تربطك بهم رحم أو قرابة من جهة الأب أو الأم.
رابعًا: صلاة نافلة قيام الليل والناس نيام.
مضاعفة الأجر في صلة الرحم
وكل معروف تؤديه إلى أرحامك مضاعف الأجر؛ فعن سلمان بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصدقة على المسكين صدقةٌ، وعلى ذي الرَّحِمِ اثنتان: صدقةٌ وصِلَةٌ. [صحيح] – [رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه]
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن التصدق على المسكين الأجنبي صدقة واحدة؛ فلها أجر واحد، والصدقة على المسكين القريب اثنتان، فهي صدقة مقرونة بصلة رحم، فالصدقة على الأقارب أفضل، وإطلاق الصدقة يشمل الفرض والتطوع، فيدل على جواز أداء الزكاة إلى القرابة الذين لا يرثهم المزكي؛ لأنه لو كان وارثًا لزمه أن ينفق عليهم، لقوله تعالى: (وعلى الوارث مثل ذلك)، والزكاة حق مستقل عن النفقة.
كيف نتعامل مع الرحم القاطعة؟
ويستفسر مستفسر: إن لنا أرحامًا لا يعينونا على أن نصلهم، بل يقطعوننا ويسيئون إلينا ولا يحسنون لقاءنا.. فماذا نصنع معهم؟ ونقول لهذا: لقد سأل رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل سؤالك فقال: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ. [صحيح] – [رواه مسلم] – [صحيح مسلم – 2558]
اشتَكَى رَجُلٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم بأنّ له قرابةً ورَحِمًا يَتَعامَل معهم بالحُسنى وهم يُعامِلونه بضد ذلك؛ فيَصِلُهم ويأتِيْهم وهم يَقْطَعونه، ويُحسن إليهم بالبر والوفاء ويُسيئون إليه بالجَوْر والجَفَاء، ويَحلم ويعفو عنهم ويَجهلون عليه بالقبيح من القول والفعل، فهل يَستَمِرُّ بالصِّلَة لهم مع ما ذُكِر؟
فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنْ كان كما ذَكَرتَ فإنك تُخزِيهم وتَحْقِرُهم في أنفسهم، وكأنك تُطعِمُهم الرَّمَاد الحارّ؛ لكثرة إحسانك وقبيح فِعلِهم عند أنفسهم، ولا يزال معك من عند الله مُعين لك عليهم، ودافِع عنك أذاهم ما دُمْتَ على ما ذَكرتَ من إحسانك إليهم، وظَلُّوا هم على إساءتهم إليك.
فيعود ويسأل: فهل يحل لي أن أقطعهم؟
ونجيب: لا، لئن قطعتهم كنت "قاطع رحم"، بل اجتهد أن تصلح ما بينك وبينهم بكل وسيلة ممكنة. ولقد قدم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد تلك الوسائل فقال: "إن أفضل الصدقة: الصدقة على ذي الرحم الكاشح" (رواه أحمد، وصححه الألباني). والكاشح: أي الكاره المضمر العداوة.
معنى الواصل الحقيقي
وإنك لن تكون واصلًا لرحمك بحق حتى تصل من قطعك، مصداق ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:
)) لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا ((. [صحيح] – [رواه البخاري] – [صحيح البخاري – 5991]
يُخبِرُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأنَّ الإنسانَ الكامِلَ في صِلَةِ الرَّحِم والإحسانِ إلى الأقاربِ ليس هو الشخصُ الذي يُقابِلُ الإحسانَ بالإحسان، بل الواصِلُ حقيقةً الكامِلُ في صلة الرحم هو الذي إذا قُطِعَتْ رَحِمُه وَصَلَها، وإن أساؤوا إليه فإنه يُقابِلُهم بالإحسان إليهم.
الخلاصة
فصِل من قطعك ولو بأقل القليل؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: "بلّوا أرحامكم ولو بالسلام" (رواه البيهقي في الشعب، وحسنه الألباني).
إنها دعوة صادقة لكل من هجر قريبًا أو جفا أخًا أن يبادر بالوصل، وأن يجعل من صلة الرحم منهج حياة، فهي مفتاح البركة في العمر والرزق، وباب مفتوح إلى الجنة، وسبب لمضاعفة الأجر، وعلامة على صدق الإيمان. فهل آن الأوان لنعود إلى أرحامنا قبل فوات الأوان؟