التهجير بين الموقف الملكي والرفض الشعبي
klyoum.com
ليس التهجير بالنسبة للأردنيين مجرد مشهد مؤلم لشعب يُقتلع من أرضه ولا قضية سياسية يمكن التعامل معها وفق حسابات المصالح العابرة ، إنه خط أحمر يتصل مباشرة بصميم الدولة الأردنية وهويتها وحقها في حماية مستقبلها.
حين تُطرح فكرة نقل الفلسطينيين إلى الأردن، لا يسمعها الأردنيون كحديث عن حل إنساني لأزمة بل عن محاولة لنقل عبء الاحتلال إلى دولة أخرى، وتحويل نتائج الصراع إلى واقع جغرافي وسياسي جديد. ولهذا تتجاوز ردة الفعل الشعبية حدود التعاطف مع الأشقاء، لتلامس شعوراً عميقاً بأن الأردن نفسه مستهدف في هويته واستقراره.
هذه الحساسية ليست وليدة اللحظة فالأردنيون يعرفون أن القضية الفلسطينية ليست بعيدة عن بيوتهم وأن الروابط العائلية والاجتماعية بين الشعبين تجعل الألم مشتركاً، لكن الاشتراك في الألم لا يعني القبول بتصفية القضية على حساب الأردن.
في هذا السياق يبرز موقف جلالة الملك عبدالله الثاني بوصفه موقفاً سياسياً ثابتاً، وليس مجرد رد فعل على تطورات طارئة ، فقد أكد جلالته مراراً في لقاءاته الشعبية والرسمية رفض التهجير والتوطين والوطن البديل، مشدداً على أن حماية الأردن واستقراره فوق كل الاعتبارات. ويواصل أيضاً تحركاته الدولية وآخرها اتصالاته خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 2026، مؤكداً أن استقرار المنطقة يبدأ بضمان الحقوق الفلسطينية وإقامة الدولة المستقلة .
لذا فإن حماية الأردن تتطلب تحركاً سريعاً حسب المسارات التالية :
أولاً - مواصلة التحرك الدبلوماسي بقيادة الملك، وتوسيع التحالفات العربية والدولية، وتحويل رفض التهجير إلى موقف جماعي ملزم سياسياً، مع استخدام المنابر القانونية الدولية لمواجهة أي إجراءات تستهدف اقتلاع الفلسطينيين أو ضم أراضيهم.
ثانياً - تعزيز الجاهزية الأمنية والعسكرية وحماية الحدود والسيادة، ورفع قدرة المؤسسات على التعامل مع الأزمات، لكن دون تحويل المجتمع إلى حالة استنفار دائم.
ثالثاً- بناء جبهة داخلية متماسكة، عبر مصارحة الأردنيين بمخاطر التهجير ومواجهة الشائعات، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمعظ.
رابعاً - دعم صمود الفلسطينيين اقتصادياً وإنسانياً وتوفير المساعدات والإغاثة وإعادة الإعمار، مع ضمان أن تكون المساعدة وسيلة لبقاء الإنسان على أرضه.
وخامساً - التعامل مع أي محاولة لفرض التهجير باعتبارها تهديداً للأمن الوطني، يستوجب موقفاً سياسياً وقانونياً حاسماً وسريعاً ، وتنسيقاً عربياً ودولياً يمنع فرض الأمر الواقع.
المطلوب من الأردنيين على المستوى الرسمي والشعبي أن لا يكتفوا برفض التهجير بل منع البيئة السياسية والاقتصادية التي تسمح بفرضه، ومواصلة الضغط لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية على ترابها الوطني ، فالأردنيون لا يخشون الفلسطينيين بل يخشون مشروعاً يريد أن يجعل من الأردن بديلاً عن فلسطين، وبين الأمرين مسافة لا يجوز الخلط بينهما.
فالأردن ليس وطناً بديلاً وفلسطين ليست قضية قابلة للنقل ، والسيادة التي يحميها الأردنيون اليوم هي أيضاً حماية لحق الفلسطينيين في وطن لا يغادرونه أبداً .