الملك يحذر: ما يتجاهله العالم اليوم يصنع أزمات الغد
klyoum.com
أخر اخبار الاردن:
مصر.. تطورات جديدة في مقتل الفنان سعيد مختارلم يبدأ جلالة الملك عبدالله الثاني خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة من غزة، ولا من الضفة الغربية، ولا حتى من أزمات الإقليم المتلاحقة. بدأ من سؤال يبدو للوهلة الأولى بعيدًا عن السياسة: أين نضع انتباهنا؟
لكن هذا السؤال كان، في الحقيقة، مفتاح الخطاب كله. فالانتباه، كما طرحه الملك، لم يعد مسألة تتعلق بما يشاهده الناس أو يتابعونه، بل أصبح «موردًا جيوسياسيًا». ما يحظى باهتمام العالم تتحرك من أجله الدبلوماسية، وما يغيب عن دائرة الضوء قد يتحول، مع الوقت، إلى واقع يصعب تغييره. ومن هنا جاءت العبارة التي تختصر فلسفة الخطاب: «فما نهمله اليوم، غالبًا ما يشكل مستقبلنا».
بهذه الفكرة انتقل الملك إلى القضية الفلسطينية، ولكن من زاوية تتجاوز وصف المأساة إلى مساءلة الطريقة التي تعامل بها المجتمع الدولي معها طوال عقود. المشكلة، في القراءة التي قدمها الخطاب، لم تكن في غياب التحذيرات، بل في الاكتفاء بإدارة الصراع واحتوائه بدل العمل على حله.
وهنا تبرز واحدة من أهم أفكار الخطاب: ما يوصف بأنه «مؤقت» يمكن أن يصبح دائمًا إذا طال السكوت عنه. انتهاك يتبعه انتهاك، ومستوطنة تتبعها أخرى، وأرض تُنتزع ثم أخرى، إلى أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والواقع المفروض بالقوة إلى أمر يتعامل معه العالم كأنه حقيقة سياسية ينبغي التكيف معها. وهذا ما عبّر عنه الملك بدقة حين قال إن «المؤقت أصبح دائمًا، وأصبح الدائم نهجًا».
ومن هذه النقطة تحديدًا يمكن فهم إصرار الخطاب على عدم النظر إلى غزة والضفة الغربية باعتبارهما ملفين منفصلين.
فالملك يرى أن التدمير في غزة، والاستيطان والاستيلاء على الأراضي والتهجير في الضفة، ليست وقائع متناثرة لا رابط بينها. في الخطاب، هناك مساران يقودان إلى نتيجة واحدة: فرض واقع يجعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمرًا مستحيلًا. ولهذا استخدم الملك لغة شديدة الوضوح، متجاوزًا المصطلحات التي يمكن أن تخفف من حقيقة ما يجري؛ فهدم المنازل لتوسيع المستوطنات وصفه بالترحيل القسري، والاستيلاء على الأراضي بالضم الفعلي، ثم وصف السياسة الهادفة إلى إجبار شعب على مغادرة أرضه بأنها تهجير قسري وجريمة حرب.
هذه اللغة ليست تفصيلًا بل جزء من الرسالة. فالخطاب نفسه يحذر من أن الكلمات، عندما تصبح أقل وضوحًا من الأفعال، تساهم في جعل غير المقبول مألوفًا. ولذلك بدا أن الملك لا يطالب العالم فقط بأن يرى ما يحدث، وإنما بأن يسميه باسمه، لأن تغيير المصطلحات لا يغير الواقع، لكنه قد يؤجل مساءلة المسؤولين عنه.
ومن هنا انتقل الخطاب إلى سؤال أكثر حساسية: إذا كانت القواعد الدولية معروفة، والأدوات موجودة، فلماذا لا تستخدم؟
الملك عدّد العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي، وأشار إلى أن المجتمع الدولي استخدم هذه الأدوات في قضايا أخرى، بينما تبقى القرارات عندما يتعلق الأمر بإسرائيل «حبرًا على ورق». والرسالة هنا تتجاوز إسرائيل وفلسطين. إنها تمس مصداقية النظام الدولي نفسه. فالقانون الذي يطبق بصورة انتقائية يفقد شيئًا من قدرته على الإقناع، والمؤسسة التي تصدر القرارات من دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ تخاطر بفقدان الثقة التي تمنحها شرعيتها.
لكن الخطاب لم يتوقف عند فلسطين.
فحين تحدث الملك عن جنوب سوريا، انتقلت الرسالة من توصيف خطر إقليمي إلى تحديد واضح للمصلحة الوطنية الأردنية. حذر من توغلات إسرائيلية ومن فرض حقائق جديدة على الأرض، بعضها يمس مصادر مائية حيوية، ثم رسم الحد الأردني بعبارة لا تحتمل التأويل: «أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي. لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا».
هذه العبارة ينبغي قراءتها بقدر ما تحمل من وضوح، لا بأكثر مما تحتمل. فهي لا تعلن تحولًا عن السياسة الأردنية القائمة على الدبلوماسية، لكنها تقول إن للدبلوماسية حدودًا عندما تصبح المصالح الوطنية المباشرة موضع تهديد. وهذا فارق مهم.
فالخطاب، في مجمله، لم يقدم الأردن دولة تبحث عن مواجهة، ولم يقدمه أيضًا دولة تكتفي بالمراقبة. قدم نموذجًا يحاول العمل في مسارين متوازيين: التعامل مع الأزمات التي تفرضها الجغرافيا المضطربة، وفي الوقت نفسه بناء عناصر القوة والاستقرار للمستقبل.
لذلك جاء الحديث عن تعزيز الروابط الاقتصادية من الخليج إلى البحر المتوسط، وعن التجارة والصناعة والتكنولوجيا، إلى جانب تطوير القدرات الدفاعية ومواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات. وفي السياق نفسه وضع الملك حماية المجتمعات المسيحية وإرثها التاريخي والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام، مع استمرار دعم الصمود الفلسطيني والأونروا والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
إنها، في جوهرها، محاولة لتحديد موقع الأردن وسط إقليم شديد الاضطراب: دولة تريد أن تبقى منفتحة، قابلة للحوار، ملتزمة بالسلام، لكنها في الوقت ذاته ثابتة في مصالحها الأساسية.
ومن هنا تكتسب عبارة الملك بأن التمسك بالدبلوماسية لا ينبغي أن يُساء تقديره باعتباره ضعفًا دلالتها الأهم. فالسلام في الخطاب ليس نقيض القوة، والدبلوماسية ليست تنازلًا عن المصالح الوطنية. بل إن الرسالة الأردنية تقوم على الجمع بين الأمرين: إبقاء أبواب الحوار مفتوحة، مع عدم السماح بأن يتحول هذا الخيار إلى سبب لسوء تقدير موقف الأردن عندما يتعلق الأمر بأمنه وحدوده ومياهه ومصالح شعبه.
وفي خاتمة الخطاب عاد الملك إلى النقطة التي بدأ منها: الانتباه.
لكن العودة هذه المرة حملت معنى أوسع. من غزة إلى السودان وأوكرانيا، لا يجوز أن تتغير المبادئ بتغير عدسات الكاميرات، ولا أن تصبح المأساة أقل استحقاقًا للعدالة لأنها خرجت من صدارة الأخبار. كما أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها إطعام الجائع أو إعادة المهجر أو بناء سلام قابل للحياة.
ما يحتاجه العالم، وفق هذه الرؤية، هو استعادة الثقة: بين الدول، وفي الاتفاقيات، وفي أن القانون سيطبق بالفعل.
وهنا تكمن الرسالة الأبعد مدى في خطاب الملك. الخطر ليس فقط في القرارات الخاطئة التي يتخذها المجتمع الدولي، بل أحيانًا في القرارات التي يمتنع عن اتخاذها، وفي الوقائع التي يرى مقدماتها ثم يختار تأجيل التعامل معها.
لقد اعتاد العالم أن يسأل بعد كل أزمة كبرى: كيف وصلنا إلى هنا؟
خطاب الملك يقدم سؤالًا أكثر إزعاجًا، وربما أكثر أهمية: ماذا رأينا في الطريق إلى الأزمة، ثم اخترنا أن نتجاهله؟