الحفلة التي لا أصل إليها
klyoum.com
أخر اخبار الاردن:
ارتفاع الطلب على اللاعب الأردني الفاخوري إلى 250 ألف يوروثمة لحظات محددة في حياتي أشعر فيها بأنني كائن موضوع خطأ في مشهد لا يخصه. يحدث ذلك غالباً حين أضطر إلى حضور محفل اجتماعي صاخب، حيث تبدو الوجوه واثقة أكثر مما ينبغي، والضحكات عالية أكثر مما تحتمل أذناي، والحضور كله مشدوداً إلى طقوس غير مكتوبة لا أعرف كيف أحفظها. في تلك اللحظات، ينتابني شعور خفي بأنني لا أنتمي إلى هذا المكان، وكأنني ضيفة وصلت متأخرة إلى حفل لا تعرف سببه ولا أصحابه.
أقف هناك بوعي مضاعف لكل حركة تصدر مني، مراقبة لنبرة صوتي، لطريقة وقوفي، لملامحي التي تبدو جامدة أكثر مما يجب. وفي الوقت الذي ينساب فيه الآخرون داخل المشهد بخفة، أبدو لنفسي كقطعة خشب تطفو على سطح ماء مزدحم بالقوارب. لا أحد يلاحظ هذا التفاوت بالطبع، لكنه بالنسبة لي واضح إلى حد موجع، حد يجعلني أشعر بأنني مرئية أكثر مما ينبغي، ومخفية في الوقت نفسه.
اللافت أنني قبل الوصول إلى هذه التجمعات، أكون مشدودة إليها بشيء من الترقب، بل وأحياناً بالفضول. تبدو الأضواء من بعيد مغرية، والأصوات واعدة بأمسية مختلفة، لكن ما إن أعبر العتبة حتى يتبدد كل ذلك السحر فجأة. كأن الخيال الذي غذيت به رأسي طوال الوقت يتبخر دفعة واحدة، ولا يبقى سوى واقع كثيف لا أجيد التنفس داخله. عندها يبدأ انسحابي الداخلي الصامت، انسحاب لا يلاحظه أحد، لكنه يستنزفني بالكامل.
لطالما ظننت أن المشكلة تتعلق بنقص في الثقة بالنفس، غير أن هذا التفسير بدا لي مع الوقت سطحياً أكثر مما ينبغي؛ فالثقة ليست زراً يضغط عليه المرء فيتحول فجأة إلى شخص اجتماعي متدفق. الأمر أقرب إلى عجز خفي عن أداء دور يتقنه الجميع تقريباً. فالمحافل الاجتماعية ليست عفوية تماماً كما تبدو، بل تقوم على قدر من التمثيل المقبول، على مجاملات محسوبة، على قدرة دقيقة في توزيع الاهتمام والنظر والإصغاء. إنها مسرح صامت، ومن لا يعرف نصه يبدو غريباً حتى لو كان يقف في مركز الخشبة.
الأغلبية تؤدي هذا الدور بسلاسة مدهشة، حتى ليخيل للمرء أنهم ولدوا وهم يجيدونه. أما الذي لا يمتلك هذه المرونة فيشعر بأنه خارج اللعبة تماماً؛ ذاته تنكمش إلى الداخل، بينما يتمدد العالم حوله بجرأة. الأصوات تختلط، والوجوه تتقاطع، والأحاديث تتشعب، ولا يبقى له سوى موقع المتفرج الذي لا يعرف متى يصفق ولا لماذا.
ثمة سلطة غير معلنة يتمتع بها الواثقون اجتماعياً. حضورهم يحدد إيقاع المكان، وكلماتهم تتحول بسرعة إلى محور الاهتمام. بعد أن قرأت رواية السيدة داولاوي للمرة الثالثة، اكتشفت أن بطلتها كلاريسا، التي تبدو سيدة متألقة قادرة على إقامة أبهى الحفلات في لندن، تعيش في داخلها ارتباكاً لا يقل حدة عن ارتباكي؛ فهي تتحرك بين ضيوفها بابتسامة متقنة، لكنها في أعماقها غارقة في سيل لا يتوقف من التساؤلات حول نفسها ومكانها ومعناها.
هذا التناقض بين السطح اللامع والداخل المرتبك كشف لي أمراً مريحاً على نحو غريب. المشكلة ليست في أن بعض الناس ضعفاء وآخرين أقوياء، بل في أن الجميع تقريباً يحمل درجة ما من الهشاشة التي يخفيها بمهارة. ما يبدو ثقة قد يكون مجرد تدريب طويل على إخفاء القلق، وما يبدو انسجاماً قد يكون شكلاً من أشكال التكيف لا أكثر.
ومع ذلك، يبقى هناك فارق بين من يجيد تحويل هذا القلق إلى طاقة اجتماعية ومن يظل أسيراً له. أنا أنتمي بوضوح إلى الفئة الثانية؛ لا أمتلك تلك القدرة على صناعة نسخة قابلة للعرض من نفسي. الكتابة وحدها هي المساحة التي لا أشعر فيها بالحاجة إلى الأداء، حيث يمكنني أن أكون صامتة وصريحة في آن واحد، وأن أعترف بما لا يقال في الأماكن المضيئة.
ربما لهذا يبدو حضوري في الواقع باهتاً مقارنة بحضوري على الورق. الكلمات لا تطالبني بابتسامة، ولا تراقب ارتباكي، ولا تحاسبني على صمتي. إنها تسمح لي بأن أكون كما أنا، بلا محاولة للتكيف أو الإقناع. هناك فقط يتراجع الارتياب قليلاً، ويصبح الصوت الداخلي أكثر وضوحاً وأقل قسوة.
في النهاية، لا أعرف إن كان هذا الميل إلى الارتياب بالنفس خللاً ينبغي إصلاحه أم حساسية زائدة تجاه العالم. كل ما أدركه أن الضجيج لا يخيفني بقدر ما يخيفني أن أضيع داخله، وأن أسوأ ما يمكن أن يحدث للمرء ليس أن يكون وحيداً، بل أن يكون محاطاً بالناس وهو يشعر بأنه غير مرئي على الإطلاق. وربما لهذا تبدو الحفلات صاخبة إلى هذا الحد، لأنها محاولة جماعية لطمس ذلك الفراغ الذي يسكن كل واحد منا حين ينطفئ الضوء ويعود إلى نفسه.