تداعيات إغلاق مضيق هرمز.. صدمة السلع تتجاوز أزمة الطاقة.. القطاع الصناعي يحتاج إلى تنويع مصادره.. العالم مقبل على خطر الركود التضخمي
klyoum.com
سلطت صحيفة "فاينانشيال تايمز" الضوء على ما وصفته بـ"الصدمة السلعية" التي نجمت عن إغلاق مضيق هرمز، واعتبرت أنها تفوق في ضررها، وتأثيرها، ومداها الزمني، تلك الصدمة التي شعرت بها الأسواق جراء نقص كميات النفط والغاز المارة عبر هذا الممر المائي الحيوي.
وقالت الصحيفة في افتتاحياتها اليوم: "كان من المتوقع منذ فترة طويلة الضرر الذي قد يلحق بأسواق الطاقة العالمية جراء إغلاق مضيق هرمز لكن الأمر الذي لم يكن واضحا للجميع هو أن هذا الممر المائي يُعد شريانا حيويا للمواد الكيميائية والمعادن والأسمدة".
وأضافت "أن اضطراب الشحن لمثل هذه السلع يؤثر على قطاعات متنوعة، بدءا من الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، وصولا إلى التعدين وإنتاج الغذاء؛ ما يفاقم صدمة الطاقة، ومثلما هو الحال مع إمدادات الطاقة، قد تستمر الاضطرابات حتى بعد انتهاء الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران".
وأشارت افتتاحية الصحيفة إلى عدد من الأمثلة للسلع الحيوية المارة من مضيق هرمز، التي تؤثر في قطاعات عدة، وقالت: "لنأخذ الهيليوم مثالا.. تسهم قطر بنحو ثلث الإمدادات العالمية من هذا الغاز، وهو منتج ثانوي لإنتاج الغاز الطبيعي في حقل ’رأس لفان’ الضخم.. لم تقتصر المشكلة على منع الصادرات عبر المضيق فحسب، بل إن البنية التحتية لحقل رأس لفان قد تضررت بشدة جراء الضربات الإيرانية الانتقامية".
وأضافت" أن هذا يعد نبأ سيئا لصناعة أشباه الموصلات، التي تستخدم الهيليوم لتبريد الرقائق أثناء التصنيع، إذ تحصل تايوان وكوريا الجنوبية على معظم إمداداتهما من قطر، التي يصعب إيجاد بديل لهيليومها عالي النقاء، كما يعد الهيليوم عنصرا مهما أيضا للألياف البصرية، والصناعات الدفاعية، والتصوير الطبي (حيث يستخدم لتبريد أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي)".
ومن السلع الأخرى، أشارت الافتتاحية إلى الكبريت، قائلة "إن صناعة أشباه الموصلات تتأثر أيضا بنقص الكبريت، الذي تشكل صادرات الشرق الأوسط منه حوالي 45% من الصادرات العالمية، ويستخدم حمض الكبريتيك في تنظيف الرقائق، وهو ضروري أيضا في التعدين لاستخلاص النحاس والكوبالت والنيكل، وتعد هذه المعادن الثلاثة مهمة بدورها في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية".
ولفتت "فاينانشيال تايمز" إلى أنه حتى قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران كان الطلب المتزايد على التكنولوجيا والسيارات الكهربائية يسبب نقصا في إمدادات الكبريت".
وأبرزت الصحيفة الأضرار المتوقعة لاضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز على قطاع صناعة الأسمدة، التي ستنتقل بدورها إلى صناعة الغذاء العالمي.
وبينت أن "صناعة الأسمدة، هي أكبر مستهلك للكبريت، ولاسيما بالنسبة للأسمدة الفوسفورية، والأهم من ذلك بالنسبة لصناعة الغذاء العالمية، أن دول الخليج تعد مصدرا رئيسيا لليوريا والأمونيا اللازمتين للأسمدة النيتروجينية التي تشكل عنصرا أساسيا لنحو نصف الإنتاج الغذائي العالمي، وتؤدي الحواجز في مضيق هرمز إلى ارتفاع حاد في أسعار اليوريا ونقص في الأسمدة، بالتزامن مع بداية موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي".
وأشارت الافتتاحية إلى تحذيرات بعض الاقتصاديين من أن استمرار هذا الاضطراب لفترة طويلة قد يُفاقم المشاكل التي واجهها العالم جراء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا عام 2022، وأقرت بأن هناك دولا لديها احتياطيات من بعض هذه السلع، ولكن كلما طال أمد الصراع، استُنزفت هذه الاحتياطيات.. كما أن هناك مودرين بدلاء لهذه السلع، إلا أن المنافسة في تلك الحالة ستؤدي إلى ارتفاع الأسعار.
ورجحت "فاينانشيال تايمز" أن تتسبب الحرب الإيرانية في إعادة تشكيل وصياغة العلاقات التجارية عالميا على غرار ما حدث في الحرب الروسية الأوكرانية، وبررت ذلك قائلة "ستسعى دول عديدة، لاسيما في آسيا، إلى تقليل اعتمادها المستقبلي على الشرق الأوسط في مجال الطاقة والسلع الأخرى، وقد تكون روسيا، التي عوقبت صناعة الأسمدة التابعة لها عام 2022، هي الرابح هذه المرة، إذ تقدم نفسها كمورد بديل للمواد الكيميائية الزراعية إلى الدول النامية".
كما توقعت أن تستفيد موسكو أيضا من تقليص إمدادات الألمنيوم الأولي، الذي تنتج دول الخليج منه نحو عُشر الإمدادات العالمية.
وقالت الصحيفة "قد يمثل انخفاض كميات المحاصيل الزراعية وارتفاع أسعار المواد الغذائية صعوبة بالغة للدول النامية، التي يعاني الكثير منها أصلا من أعباء خدمة الديون، يعد تضخم أسعار الغذاء شديد الحساسية في الاقتصادات الفقيرة، وقد كان محركا للاضطرابات في عدد من الدول منذ جائحة ’كوفيد-19’".
وحذرت فاينانشيال تايمز من أن اجتماع صدمة الطاقة ونقص السلع الأساسية في جميع أنحاء العالم سيؤدي إلى زيادة خطر الركود التضخمي.
واختتمت الصحيفة افتتاحيتها قائلة: "سيحتاج القطاع الصناعي إلى تنويع مصادره وإيجاد موردين وخطوط إمداد بديلة..لكن بعض نقاط الاختناق يصعب إزالة المخاطر منها تماما ومضيق هرمز هو أحدها".