د. عصام محمد عبد القادر يكتب: بين تقدير الذات وفخ الأنا
klyoum.com
أخر اخبار مصر:
انطلاق مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة 2026.. غداأرى أن تقدير الذات يحدث فينا استقرارًا، وطمأنينة، وسكينة، وهدوءً، وهذا بالطبع ينعكس على رقى الوجدان، ونضج الوعي وفق أنماطه المختلفة، وبناءً عليه يتجاوز الإنسان مراحل الصراع، ويصل مرفأ التوافق النفسي، وأعتقد أنه يمكّن الفرد من أن يخلق مناخًا إيجابيًا، يستطع من خلاله أن يقدم أفضل ما لديه من عطاء، وأن يحقق آمالًا، وطموحات، وأحلاما، تتأتى مشروعيتها من عقيدة وسطية، وإيمان راسخ بمنظومة قيم نبيلة، تربى عليها، ونشأ في اتصاف ممارساتها.
الأنا عندما تتجاوز الحدود المسموح بها، يتأتى ضررها المباشر على وجدان الفرد، والآخرين؛ حيث لا تبحث إلا في متغير واحد فقط، ولا تعبأ بما دون ذلك، فترى الحياة صاخبة، والتعايش مع الغير أمر يشكل صعوبة بالغة على النفس؛ فبواطن الأمور ضبابية، ووتيرة الضغوط، تتعالي في خضم توترات؛ نتيجة للبعد عن أطر التوافق، والتكيف، والانسجام بمفردات البيئة الداخلية، والخارجية؛ لذا لا يرى صاحب الأنا إلا كل ما يعتريه النقصان، ويشوبه العيب، وتبدو صورته مشوّهة.
وهم الأنا يخرج الإنسان من واحة الفكر الرشيد، إلى وحل التخبط الناتج عن أحكام جائرة، خرجت من ذهن مشوش بمفاهيم مغلوطة، ونوازع، تجاوزت سياح التعاملات الإنسانية المعتدلة؛ حيث الاعتقاد المزعوم بأن الثقة، ومسار تحقيق النجاحات مرهون بتقدير مبالغ فيه للنفس، وهنا يغرق الفرد في بحور الظلام، ويغدو وجدانه ملوثًا بأفكار، لا تستند إلى منطق صحيح، أو تنسدل من نظريات، نهلت مبادئها من فيض خبرات، وتجارب حياتية مفعمة بالنجاحات.
الفارق الرئيس بين تقدير الذات، والوقوع في فخ الأنا، نشاهده في إنسان يعتز بنفسه، ويتسم بالهدوء، ويتصالح مع الآخرين، ويضع حدودًا، تحفظ له كرامته، ووقاره، وتصون هيبته؛ فيظل قارّ العين، صافي السريرة، سكونه تأمل، وكلامه يوضع في سياج الحكمة، بينما هناك إنسان يعتقد أن التعالي، والكبرياء بوابة للحضور، وسبيل لتحقيق مآرب، تشبع له رباته، وتفي بجموحه؛ فلا عبرة بآراء الآخرين، ولا اعتبار لمشاعرهم؛ فالغاية بالنسبة له تبرر الوسيلة.
شعور الإنسان بذاته، وثقته في قدراته، ووعيه بمكنون نفسه، وحرصه على صيانة كرامته أمور حميدة، لا بأس بها؛ إذ تحدث توازنا داخليا، وتعزّز من تصالح الفرد، وتورّث السكينة، والطمأنينة، والرضا؛ لكن حينما يتعالى الشخص بما لديه من ملكات على الآخرين؛ فإن هذا يعد تحولًا، غير مرغوب فيه؛ حيث اضطراب الأنا، والدخول في معترك خاسر، يتمثل في صراعٍ، لا طائل منه مع الآخرين، واستعلاءٍ، يدمر جسور المودة، ويزرع بذور النفور، والقطيعة، ويبدّد صفاء الروح، فيخسر المرء احترام، وعطف القلوب.
إذا ما رغبنا في تقدير الذات، والبعد عن هاوية السقوط في فخ الأنا؛ فإن مرجعية القيم النبيلة، تعد السبيل الآمن، الذي يعيد للنفس ميزانها الحقيقي، ويضبط الممارسات الدالة على حسن الخلق، وطيب التعامل في خضم الإيمان بقيمة الأثر الباقي؛ ومن ثم يخرج الإنسان من بوتقة الخصومة، إلى ساحة الوفاق، والوئام، والمودة والمحبة مع الآخرين؛ ومن ثم يتجنب سلبيات، قد تؤدي به في نهاية المطاف إلى عزلةٍ قاسية، وانكماشٍ مؤلم، وفقدانٍ لروابط الثقة، وتآكلٍ بطيءٍ في صورته أمام ذاته؛ حينئذٍ يحيا في اغتراب.
دعونا نتمسك بممارسات محمودة، تكمن في مساءلة الذات، ومحاسبتها بصورة مستدامة، وأن نتعامل مع الآخرين، مرتدين جلباب العطاء، وأن نتقبل النقد بروح سمحة؛ كي نضيف لوعاء الإيجابية لدينا، ونحدُّ من مدخلات السلبية، وأن نجعل من النجاح بوابة مفعمة بالطموح، والأمل، ونفع الغير، وأن نحوّل المحن إلى منح بفقه الإرادة، والعزيمة، وأن نؤمن بفلسفة العقل الجمعي في إدارة المصلحة العامة، وأن نتجنب الانفرادية، التي تعظّم من الأنا؛ لنسمو لمقصد الفائدة، ونتمسك بتقويم مسارنا، ونرسّخ قيم التعاون، ونشيّد جسور الثقة من أجل بلوغ الريادة، فنبلغ مراتب الرشد.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.