لا حمّام هنا... سؤال "قضاء الحاجة" في شوارع مصر
klyoum.com
متخصصون يشكون نقص أعدادها وسوء نظافتها وإهمال صيانتها وغياب الرقابة الدورية عليها وآخرون يرونها "غير مجدية"
حاملاً نجله على كتفه وأمتعته في يديه، هرول الخمسيني عمرو السيوفي (اسم مستعار) صوب أحد مواقف السيارات بحثاً عن دورة مياه عمومية يقضى فيها حاجته، بسبب معاناته مرض السكر، الذي يضطره للتبول مرات عدة على مدار اليوم، واستجابة لنصائح طبيبه الخاص بعدم احتباس البول فترات طويلة، لا سيما في أوقات السفر، إلا أن محاولاته باءت بالفشل، ولم يعثر على دورة مراحيض قريبة منه.
على رغم مشقة الرحلة التي قطعها السيوفي، التي تجاوزت 200 كيلومتر من مدينة 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة وصولاً إلى منطقة محطة الرمل بوسط الإسكندرية للاستمتاع بإجازته رفقة أسرته والتنزه بالمزارات السياحية، فإنه وجد نفسه يتحمّل معاناة إضافية بالبحث عن بديل آخر لتلك المراحيض العامة.
مع مرور الوقت بدت علامات التوتر ترتسم على وجه السيوفي، إذ اضطر للسير مسافات طويلة في زحام الطريق وتحت لهيب شمس حارقة، بحثاً عن ضالته، ليعثر في النهاية على مقهى بأحد الشوارع الجانبية يقضي فيه حاجته.
وقدّر تقرير سابق عن الجهاز المركزي للإحصاء (جهة حكومية) عام 2018، عدد دورات المياه العمومية بـ 1304 دورات مياه فقط، على مستوى 27 محافظة، بينها 513 مخصصة للسيدات و791 للرجال، يتركز أغلبها في محافظة القاهرة التي يوجد بها 224 حماماً عمومياً، فيما تخلو محافظتا الإسكندرية وجنوب سيناء من وجود دورات المياه العمومية بها، بينما لا يوجد في محافظة الجيزة سوى 13 دورة مياه "عمومية" فقط.
ووفق التقرير الإحصائي فإنه على مستوى محافظات وجه بحري، استحوذت محافظة بورسعيد على 158 حماماً، أما الدقهلية على 150 دورة مياه، وفي المركز الأخير جاءت محافظة الشرقية بـ39 دورة مياه عمومية، وفي محافظات الصعيد، استحوذت محافظتا المنيا وسوهاج على العدد الأكبر من دورات المياه العمومية على مستوى محافظات وجه قبلي، حيث وجد بكل منهما 66 دورة مياه، وجاءت محافظة قنا الأقل بعد محافظة الأقصر، حيث لم يتوافر بها سوى 6 حمامات فقط، والأقصر حمامان.
بينما كانت تجربة الستينية إلهام معتمد (اسم مستعار)، التي تعاني أمراضاً بالكلى والأعصاب والمثانة، أصعب نسبياً من السيوفي، إذ شعرت بعد إنهاء بعض الأوراق الرسمية بإحدى المصالح الحكومية بمنطقة وسط البلد بمحافظة القاهرة بالرغبة المُلحة في دخول الحمام، لتجد ملاذها في إحدى دورات المراحيض العمومية بالقرب من موقف سيارات بأحد الميادين الكبرى، وبعد دفع ثمن تذكرة دخول بـ 2 جنيه (0.04 دولار)، فوجئت أن المكان مُهمل، والروائح الكريهة تفوح من كل الأرجاء والأرضيات مُتسخة والمناديل مبُللة ومستعملة والصنابير والمقابض مكسورة، بخلاف وجود أعقاب السجائر والقاذورات وشرائط الأدوية مُلقاه على الأرض.
انتاب الستينية شعور بالقيء والغثيان بعد رؤية تلك المشاهد، ما اضطرها للتراجع عن التبول خشية أن تُصاب بعدوى فيروسية أو بكتيرية، باحثة عن مكان آخر تقضى فيه حاجتها، لتضطر لركوب سيارة ميكروباص أجرة، أملاً في العثور على مول تجاري أو مطعم كبير في طريقها لمنزلها بحي إمبابة بمحافظة الجيزة المصرية، حتى وجدت مبتغاها في مول تجاري بمنتصف الطريق، ما جعلها تتوقف لتقضي حاجتها فيه.
ما روته الستينية يتطابق مع حديث أستاذ الطب المهني والبيئي بجامعة القاهرة الدكتور محمود عمرو، إذ يؤكد أن دورات المياه العمومية قد تكون مصدراً لانتشار العدوى والأوبئة وبيئة خصبة لوجود الجراثيم بسبب إهمال نظافتها، ما يجعلها في كثير من الأحيان خياراً غير مناسب لكثير من المترددين عليها، إذ يخشون قضاء حاجتهم فيها خوفاً من إصابتهم بأي ميكروبات أو فيروسات، مردفاً "المراحيض غير النظيفة قد تنقل كل أشكال عدوى الجهاز الهضمي والمسالك البولية التي تنتقل عن طريق البول والبراز".
ويوضح أستاذ الطب المهني والبيئي، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن المراحيض العامة في الأماكن المزدحمة تستخدم مئات، بل آلاف المرات أسبوعياً، وبعضها يُنظّف باستمرار، بينما بعضها الآخر قد لا يُنظّف إلا مرة واحدة يومياً أو أقل، مما يُتيح للجراثيم التكاثر بسرعة. مطالباً بضرورة مراعاة نظافة تلك المراحيض بصورة متكررة، إضافة إلى التخلص من الفضلات والقاذورات بشكل سليم، وأن تخضع لإشراف جهاز صحة عامة لمتابعة إجراءات النظافة بصورة دورية من دون تهاون فيها، واستخدام المطهرات ووسائل التعقيم بصفة مستمرة.
ولم تكن قضية الحمامات العمومية وتردي حالتها بمنأى عن البرلمان المصري، إذ سبق وتقدم النائب أيمن أبو العلا عام 2020 بطلب إحاطة لرئيس الوزراء ووزير التنمية المحلية يشكو غض النظر عن نظافة دورات المياه في الأماكن العامة كونها تُشكّل بيئة خصبة لنمو البكتيريا والفيروسات، إذ إنها عادة لا تحصل على النظافة والتعقيم اللازمين لها حتى تصبح آمنة للاستخدام، وفي عام 2018، تقدم البرلماني ماجد طوبيا بمقترح لتغليظ عقوبة "التبول" في الأماكن العامة وضرورة إنشاء مراحيض عامة آدمية في المحافظات، كي لا يكون هناك أي ذريعة لأي مواطن للتبول في مكان عام وتوفير المراحيض العامة برسوم مخفضة، وتوفير مراحيض عمومية متنقلة في الميادين والشوارع الرئيسة.
وعما آلت إليه أوضاع المراحيض العمومية بمصر، يقول خبير التنمية والإدارة المحلية أمجد عامر إنها تعانى حالياً مشكلات جمة أبرزها، الإهمال وسوء النظافة ونقص الصيانة وتهالك البنية التحتية ونقص أعدادها بالمدن والمحافظات، بخاصة في الأماكن المزدحمة التي يتردد عليها أعداد كبيرة من المواطنين، مُرجعاً الأسباب الرئيسة في ذلك إلى غياب الرقابة والإشراف الدوري عليها من قبل مسؤولي الأحياء والمدن.
ويوضح عامر أن تحسين مستوى المراحيض العامة "لم يعد رفاهية بل ضرورة صحية وحضارية، لا سيما لكبار السن والمرضى". مشدداً على حتمية إدراج هذا الملف ضمن أولويات الإصلاح الحقيقي لمنظومة الإدارة المحلية وتبني رؤية شاملة لتطويرها، بخاصة أنه لا توجد معالجة متكاملة لهذا الملف، ولم يحظ بالاهتمام الكافي حتى الآن على رغم ارتباطه المباشر بالصحة العامة.
ووفق تقديرات رسمية للجهاز المركزي للإحصاء، فإن تعداد المسنين في مصر يصل إلى 9.8 مليون مسن من إجمالي السكان عام 2025.
وفي رأى الخبير المختص في المحليات فإنه ينبغي إعداد دراسة جدوى لتقييم أوضاع دورات المراحيض العمومية في كل أنحاء الجمهورية، وتحديد أبرز الأماكن الحيوية مزدحمة الكثافة السكانية، وتبني نماذج إدارة اقتصادية مستدامة من خلال التشغيل بمشاركة القطاع الخاص، علاوة على وضع مشرفين عليها يتبعون لأجهزة الأحياء والمدن للمتابعة الدورية لأعمال النظافة بها وخشية أن تتحول إلى بؤر وأوكار لمتعاطي المخدرات، ورفع كفاءة النظافة والصيانة بشكل دوري وتفعيل الرقابة من قبل الأحياء والجهات المختصة وتطبيق القوانين المنظمة بحزم.
وكان متحدث التنمية المحلية بمصر الدكتور خالد قاسم، أعلن في ديسمبر (كانون الأول) 2018، في تصريحات متلفزة، أن هناك خطة لتطوير وصيانة الحمامات العامة على مستوى الجمهورية. لافتاً إلى أنها تقع تحت إطار النظافة والخدمات الصحية التي تعمل الحكومة على تقديمها للمواطنين، مضيفاً: "نؤمن بأن هذه الحمامات هي خدمة عامة، ونسعى لتقديمها بشكل لائق ونظيف".
يتماشى القول السابق مع رؤية وكيل لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب الدكتور محمد عطية الفيومي، إذ يرى أن تلك التجربة مُطبقة في كثير من بلدان العالم وتؤتي ثمارها، قائلاً "لن نخترع العجلة ويمكن الاستفادة من التجارب الناجحة في هذا الأمر"، موضحاً أن تلك المراحيض تُعاني سوء الاستخدام، ما يتطلب ضرورة إعادة التفكير في تطويرها بما لا يرهق الموازنة بأعباء إضافية عبر وضع رسوم رمزية ومُخفضة على المواطن، لتغطية كُلفة صيانتها ونظافتها بصورة مستمرة، ليتم تقديم الخدمة بصورة لائقة للمترددين عليها، أسوة بما يحدث في كل بلدان العالم.
ويوضح الفيومى، خلال حديثه، أن هذا الأمر يقع ضمن اختصاصات ومسؤوليات المحليات بشكل مباشر وهى المنوطة بمراقبة مستوى الأداء ومعدلات التشغيل فيه، ويجب أن تحظى تلك القضية بأهمية خاصة، وأن تكون على مائدة أولويات المجالس المحلية عقب الانتهاء منها، كونها تهم قطاعاً عريضاً من المصريين.
تتفق أستاذة العمارة والتصميم العمراني بكلية الهندسية بجامعة القاهرة الدكتورة سهير زكي حواس مع الآراء السابقة، إذ ترى ضرورة تأهيل الحمامات العامة مُجدداً وإعدادها بشكل متحضر والارتقاء بخدماتها باستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة، كونها من المطالب الضرورية للسائح الزائر لمصر، ودائماً ما تكون ضمن أولويات مطالبه، مشيرة إلى أن القانون ألزم بضرورة إنشاء دورات مياه عامة ليقضي فيه الأفراد حاجتهم، واعتبرها القانون شرطاً رئيساً من متطلبات التشغيل لأماكن مثل المطاعم والمولات ومحطات البنزين. وغيرها.
وفي رأي سهير فإن التجارب الحديثة لدورات المياه العامة واجهت عثرات عدة خلال الآونة الماضية ولم تحقق المأمول منها، قائلة: "في عام 2007، دُشن مشروع كبائن دورات المياه ذاتية التعقيم التي تعمل وفق نظام إلكتروني، بحيث ينظف الحمام ذاتياً عقب كل استخدام، مقابل وضع عملة معدنية، لكن سرعان ما فقدت الفكرة مضمونها وقيمتها بسبب إساءة استخدام تلك التجربة من قبل روادها"، منوهة أن جهاز التنسيق الحضاري سبق ووضع دليلاً إرشادياً بالمواصفات والقياسات الخاصة بدورات المياه العامة، وكان يجري إرساله بصورة ودية للمحافظين لفهم الآليات الخاصة بها.
وفي تقدير أستاذة التصميم العمراني فإن إحياء تلك التجربة بات لزاماً في الوقت الحالي، لأنه "احتياج إنساني"، بحسب وصفها، كذلك ستقضي على المظاهر غير الحضارية والسلوكيات السلبية التي ينتهجها بعض الأفراد بالتبول أسفل الكباري وعلى الأرصفة وجوانب الأسوار والطرق السريعة.
"المعضلة الحقيقية ليست في غياب الرقابة أو أعداد المراحيض، لكن في نقص الوعي والثقافة المجتمعية لدى البعض"، بحسب ما يشير أستاذ الإدارة العامة الدكتور رشدي عبد الظاهر. موضحاً أن مشاهد تبول البعض في الشوارع وأمام أنظار المارة وأعين الناس لم تعد مقصورة على المرضى وكبار السن فقط، لكن أصبح يُقدم عليها شباب أيضاً ومن مستويات اجتماعية وطبقية مختلفة، مردفاً "أشعر بصدمة حين أرى شاباً يوقف سيارته الفارهة ليقضى حاجته في الشارع على رغم اللافتات التي تملأ الشوارع والميادين بالتحذير من تلك الممارسات"، لذلك لا يمكن إلقاء اللوم في هذا الأمر فقط على نقص أعداد المراحيض العامة أو سوء النظافة بها.
ويوضح أستاذ الإدارة العامة أن القضية أعمق من ذلك وتتطلب تضافر جهود جميع الجهات لتحسين أفكار وسلوكيات بعض الأفراد التي تستسهل تلك الممارسات غير الحضارية، ولا تشعر بخجل أو حياء فيها. موضحاً أن القانون وحده غير رادع لمجابهة تلك الأمور، لكن يجب على كل فرد ضبط سلوكه لمنع أي تجاوزات والحفاظ على الصورة الحضارية.
ويرى عبد الظاهر، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن الأمر يستوجب ضرورة تصحيح سلوكيات بعض الأفراد وغرس قيم الاهتمام بالنظافة العامة منذ الصغر في التعليم، وتأكيد ضرورة مراعاة عدم خدش الحياء بتلك السلوكيات، مستشهداً بمثال: "بعض أجهزة المدن الجديدة حاولت قبل عدة سنوات إنشاء كرافانات مياه عامة بالميادين مقابل رسوم مالية، ووضع صناديق لدعم فكرة النظافة والصيانة، لكن الفكرة فشلت، ولم تكتمل بسبب سوء الاستخدام من قبل المترددين عليها".
ما ذكره عبد الظاهر يتطابق مع ما أقدم عليه الثلاثيني خلاف إسماعيل، سائق بإحدى شركات الأطعمة، إذ شعر بعد قضاء أكثر من 8 ساعات متواصلة في نقل البضائع على إحدى الطرق السريعة، بألم يعتصر مثانته ورغبة ملحة في التبول، لينتحي جانباً في ركن بعيد ويتبول بالقرب من أحد الأسوار.
وهو ما يُجرمه القانون المصري الذى يعاقب على قضاء الحاجة في الشوارع كونها من الأمور التي تخدش الحياء، إذ تنص المادة (278) من قانون العقوبات على "كل من فعل علانية فعلاً فاضحاً مخلاً بالحياء يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه، ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين".
وعن جدوى التوسّع في المراحيض العامة، يرى اللواء رضا فرحات محافظ القليوبية والإسكندرية السابق أن فكرة الحمامات العامة الموجودة بالشوارع بصورتها التقليدية "لم تعد مجدية والاحتياج إليها لم يعد مُلحاً مثلما كانت في فترات سابقة". موضحاً أن المراحيض الموجودة في المحال التجارية والمطاعم والمولات ومحطات البنزين والحدائق استطاعت أن تخلق البديل المناسب للأفراد لقضاء حاجتهم، وأن نقص أعداد المراحيض العامة مشكلة لا تقتصر على مصر فقط، لكنها أيضاً موجودة في بلدان عدة بالخارج، قائلاً: "طالما هناك بدائل كُثر فلا حاجة لدورات مياه عامة".
ويشير فرحات إلى أن أزمة المراحيض العامة سبق وتفجرت على نطاق واسع بعد أن ارتبطت بأزمة "صفر المونديال"، ثم هدأ الحديث بعد ذلك، لكن حالياً مع التطور الهائل الذي طاول البنية التحتية في كل الطرق والمنشآت طاولها التطوير نسبياً لا سيما في الأماكن السياحية والأثرية، وأصبحت هناك كرفانات للحمامات العمومية في بعض الميادين والطرقات.
يُشار إلى أن الحمامات العامة كانت من بين الأسباب التي تسببت في أزمة "صفر المونديال" الشهيرة التي حصلت عليها مصر عام 2004، بعد منافستها مع المغرب وجنوب أفريقيا لاستضافة كأس العالم 2010، بسبب الاشتراطات التي وضعتها اللجنة بوجود حمامات عامة في محيط الاستادات، لينتهي الأمر بإعلان الفيفا عن فوز جنوب أفريقيا بتنظيم مونديال العالم 2010، ما جعل السلطات المصرية تتنبه لهذا الأمر أثناء استضافة بطولة الأمم الأفريقية لتعلن في يونيو (حزيران) 2019 عن إنشاء حمامات عامة مجانية (كونتنير) للرجال والنساء.