مصر تقود الكوميسا لقفزة استثمارية بـ65 مليار دولار رغم الاضطرابات العالمية
klyoum.com
كشف تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) حول الاستثمار في دول السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا (الكوميسا) لعام 2025 عن تحقيق التكتل أداءً استثنائيًا خلال عام 2024، مع تسجيل تدفقات استثمار أجنبي مباشر قياسية بلغت نحو 65 مليار دولار، بزيادة قدرها 154% مقارنة بالعام السابق، وذلك رغم التراجع العالمي في حركة الاستثمارات.
وأوضح التقرير أن هذا النمو اللافت جاء في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي تباطؤًا ملحوظًا، حيث تراجعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًا بنحو 11% نتيجة تشديد الأوضاع التمويلية وارتفاع أسعار الفائدة، إلى جانب استمرار حالة عدم اليقين وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وهو ما يعزز من أهمية الأداء القوي لدول الكوميسا.
وأشار التقرير إلى أن مصر كانت المحرك الرئيسي لهذه الطفرة، بعدما قفزت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إليها من 9.8 مليار دولار في 2023 إلى نحو 46.6 مليار دولار في 2024، لتستحوذ وحدها على أكثر من 70% من إجمالي التدفقات داخل التكتل، مدفوعة بتنفيذ مشروعات استثمارية كبرى.
ولفت إلى أن مشروع «رأس الحكمة» يمثل أبرز هذه المحركات، باعتباره أحد أكبر المشروعات الاستثمارية في المنطقة، حيث يشمل تطويرًا حضريًا متكاملًا يضم بنية تحتية متقدمة ومشروعات سياحية وتعليمية وخدمية، ما ساهم بشكل مباشر في تعزيز تدفقات الاستثمار وتمويل المشروعات الدولية، وترسيخ مكانة مصر كوجهة استثمارية أولى داخل الكوميسا.
وأكد التقرير أن قوة الأداء لا تقتصر على تأثير المشروعات الكبرى فقط، إذ أظهرت البيانات أنه حتى مع استبعاد مشروع «رأس الحكمة»، كانت تدفقات الاستثمار سترتفع بنسبة 16%، وهو ما يعكس تحسنًا هيكليًا في بيئة الاستثمار داخل دول التكتل.
وساهم هذا الأداء في زيادة حصة الكوميسا من تدفقات الاستثمار إلى الاقتصادات النامية إلى نحو 7% في 2024 مقارنة بـ3% في 2023، كما ارتفعت حصتها من التدفقات العالمية إلى 4% مقابل 2%، ما يعكس تنامي جاذبية التكتل كمقصد استثماري واعد.
وعزا التقرير هذا التحسن إلى توجه المستثمرين نحو تنويع استثماراتهم بعيدًا عن الأسواق التقليدية، والبحث عن فرص جديدة في الاقتصادات الناشئة ذات معدلات النمو المرتفعة، والتي توفرها دول الكوميسا.
ورغم هذا الأداء الإيجابي، أشار التقرير إلى استمرار التركز الجغرافي للاستثمارات، حيث استحوذت خمس دول رئيسية هي مصر وإثيوبيا وأوغندا والكونغو الديمقراطية وكينيا على نحو 90% من إجمالي التدفقات خلال 2024، مقارنة بـ80% في العام السابق، ما يعكس الحاجة إلى توسيع قاعدة جذب الاستثمارات داخل التكتل.
وفي المقابل، سجلت بعض الدول أداءً لافتًا، حيث حققت زامبيا نموًا استثنائيًا تجاوز 14 ضعفًا، فيما ارتفعت الاستثمارات في إثيوبيا بنسبة 22%، وفي كل من تونس وجمهورية الكونغو الديمقراطية بنسبة 21%، إلى جانب زيادات معتدلة في رواندا وسيشيل والصومال، ما يشير إلى تحسن تدريجي في بيئة الاستثمار عبر دول الكوميسا.
كما أظهر التقرير قفزة كبيرة في تمويل المشروعات الدولية داخل التكتل، حيث ارتفعت قيمته بنسبة 93% لتصل إلى نحو 79 مليار دولار، مقابل 41 مليار دولار في 2023، رغم التراجع العالمي الحاد في هذا النوع من التمويل بنسبة 26%، لتستحوذ الكوميسا على نحو 80% من إجمالي تمويل المشروعات في إفريقيا و9% من الإجمالي العالمي.
وكان لمصر النصيب الأكبر من هذا التمويل بنحو 69 مليار دولار، مدفوعة بالمشروعات الكبرى في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتنمية العمرانية، ما يعزز دورها كمركز إقليمي للاستثمار في هذه القطاعات.
وعلى مستوى القطاعات، تصدر قطاع التشييد قائمة الأنشطة الأكثر جذبًا للاستثمار، مسجلًا نموًا بنحو خمسة أضعاف، تلاه قطاع الطاقة وإمدادات الغاز بزيادة 22%، والمعادن الأساسية بنسبة 71%، فيما تراجعت الاستثمارات في الصناعات الاستخراجية بنسبة 61%.
وفي قطاع الخدمات، ارتفعت قيمة الاستثمارات بنسبة 49% رغم انخفاض عدد المشروعات، ما يعكس زيادة متوسط حجم الاستثمارات، بينما تراجعت الاستثمارات في قطاع التصنيع بنسبة 50%، بما يعكس استمرار التحديات التي تواجه جذب الاستثمار الصناعي.
كما شهدت سلاسل الإمداد تحولات واضحة، حيث تراجعت استثمارات قطاع السيارات بنسبة 54%، مقابل نمو قوي في صناعات الإلكترونيات والمنسوجات، فيما انخفضت استثمارات قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى نحو 2 مليار دولار في 2024 مقابل 4.3 مليار دولار في العام السابق، رغم استمراره في الاستحواذ على 28% من إجمالي الاستثمارات المعلنة في إفريقيا.
وأشار التقرير إلى استمرار الفجوة التمويلية في البنية التحتية الرقمية، والتي تتجاوز 8 مليارات دولار، رغم تركز الاستثمارات الرقمية في مجالات مراكز البيانات وتصنيع المعدات.
كما برزت المناطق الاقتصادية الخاصة كمحرك رئيسي لجذب الاستثمارات، خاصة في مصر داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب نشاط متزايد في كينيا وزامبيا ورواندا وإثيوبيا، مع تسجيل نمو ملحوظ في الاستثمارات المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة، التي ارتفعت قيمتها بنسبة 28% وعددها بنسبة 10%.
وشدد التقرير على أهمية الحفاظ على زخم النمو من خلال توسيع قاعدة الاستثمارات لتشمل مزيدًا من الدول والقطاعات، وتقليل الاعتماد على الصفقات الكبرى، بما يدعم تحقيق نمو مستدام ومتوازن.
ورغم التحديات المرتبطة بتركز الاستثمارات والاعتماد على المشروعات الضخمة، أبدى التقرير تفاؤلًا حذرًا بشأن مستقبل الاستثمار في الكوميسا، متوقعًا تسارع النمو الاقتصادي خلال 2025 بالتوازي مع تحسن النشاط التجاري العالمي.