غزة تحضر في رمضان مصر... طقوسا وإبداعا
klyoum.com
مقاه ومطاعم يستثمرون الشهر في التذكير بالقطاع وأحداثه عبر وجبات الإفطار والسحور ومسلسل "صحاب الأرض" يؤكد حضور القضية الفلسطينية عبر الشاشة
كثير من ملصقات "فلسطين" على زجاج السيارات والميكروباصات تلاشت معالمه بفعل الأتربة والأمطار ومرور الأشهر، كثير ممن كانوا يرتدون الكوفية الفلسطينية على رؤوسهم أو حول رقابهم تركوها في بيوتهم، واستبدلوا بها كوفيات أخرى، كثير من صور التضامن مع غزة وخرائط فلسطين لم يعد لها أثر بسبب عوامل التعرية وسكب الماء والصابون لزوم تنظيف واجهات المحال، حتى شريط الأخبار العاجلة الراكض أسفل الشاشات لم يعد يصارع الزمن ليستوعب عدادات القتلى والجرحى وتواتر الغارات على القطاع.
مضى ما يزيد على عامين على اندلاع حرب القطاع عقب عملية السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وعلى رغم بقاء الوضع في غزة محلك سر بعد تباطؤ عداد القتلى، وعلى رغم استمرار معاناة أهلها من دون حلول بعينها تلوح في الأفق، وعلى رغم ضبابية المشهد برمته، فإن الغالبية من المتابعين والمهتمين والمهمومين عادت إلى ممارسة حياتها بالشكل المعتاد، حتى وإن بقي التعاطف في العقل الباطن، وذلك بعد ما طال أمد الصراع. اختفت تظاهرات الاحتجاج، وتقلصت برامج التحليل والتغطيات الحية على الهواء مباشرة، حتى حملات التبرع الشعبية تحت تسميات مختلفة خفتت أو اختفت.
ما لم يكن في الحسبان أن يأتي رمضان محملاً بأدوات إعادة غزة إلى مقدم الاهتمام، وإحياء زخم التعاطف، واستعادة الحديث عن الأرض، والحق، والمعاناة، والمستقبل الذي يرفض أن يلوح في الأفق. تطل هذه الأدوات عبر دراما رمضان، وإصدارات أدبية لمناسبة الشهر الكريم، واجتماعيات الإفطار والسحور بنكهة غزة وأهلها.
عدد من المطاعم والمقاهي يستثمر موسم رمضان وعاداته الاجتماعية، لا سيما الشبابية والتجمعات على موائد الإفطار والسحور، لإعادة التذكير بغزة والقضية الفلسطينية. بعض هذه المقاهي يستأجره فلسطينيون قدموا إلى مصر بعد اندلاع الصراع في 2023، وبعض آخر يملكه مصريون، لكن قرروا أن يقدموا أطباقاً أو خلطات من القهوة التي يشتهر بها أهل القطاع، على سبيل التذكرة الرمزية بغزة، ومع بداية رمضان أعاد هؤلاء تنشيط الرمز، ويجري تقديم أطباق "من وحي غزة" تلقى إقبالاً من الشباب، على سبيل التضامن، ولو رمزياً.
غالب هذه المطاعم الصغيرة في أحياء مثل مدينة نصر ومصر الجديدة (شرق القاهرة) والدقي والعجوزة (الجيزة)، وتشهد إقبالاً منذ بدء رمضان بفضل "السوشيال ميديا". فرشوحة (شاورما) وخبز غزاوي في قلب القاهرة والجيزة، ومنيو رمضاني مغلف في ورق على شكل الكوفية الفلسطينية يجري تداوله من هذه المطاعم المتناثرة إلى "السوشيال ميديا"، لتجذب أعداداً أكبر، لا سيما من الشباب المصري، تضامناً مع غزة، ومحبة لشاورما غزة.
ومن شاورما غزة وخبزها وقهوتها الرمزية في قلب القاهرة إلى إصدارات أدبية تصادف خروجها إلى النور في رمضان، وعلى رغم أن القراءة الأدبية ليست السمة الغالبة على المصريين في رمضان، فإن لكل قاعدة استثناء، أحد هذه الاستثناءات "السماء الثامنة" للأديب المصري محمد سلماوي التي خرجت إلى النور في الأسبوع الأول من رمضان لتعيد جذب الاهتمام إلى غزة، لكن من باب الرواية.
بعيداً من عداد القتلى والمصابين الكلاسيكي، يوجه سلماوي قصته صوب استشهاد طبيب مصري أغلق عيادته في القاهرة، واختار السفر إلى غزة، حيث يلقى حتفه في قصف إسرائيلي في أثناء إجرائه جراحة لأحد المصابين، واستدعاء مقتل الطبيب، لا باعتباره عدداً في عداد القتلى اليومي، بل قصة إنسانية فيها رومانسية حب قديم، وذاكرة عمرها أعوام، وتجارب حياتية مضت لكن يجري استعادتها بفعل أو بفضل إضافة رقم في عداد قتلى غزة وإعادة استحضار مأساتها.
توليفة "السماء الثامنة" الرمضانية تقدم قراءة متعمقة في مأساة غزة، وخلفيات تتداخل فيها فظائع إسرائيل مع جرائم تيارات الإسلام السياسي الراقصة على نعوش القضايا الكبرى ومصائر الأمم، ومحاولات طمس التاريخ والجغرافيا والثقافة والهوية، إن لم يكن عبر أدوات الاحتلال، فمن خلال سموم خلط الدين بالسياسة.
صدور هذه الرواية الغارقة في مأساة غزة وتاريخ القضية وطرح أسئلة حول مستقبلها ومستقبل المنطقة في رمضان أعاد جزءاً من الصلة المقطوعة منذ زمن بين رمضان وصائميه من جهة، وبين الأنشطة الأدبية والثقافية من جهة أخرى عبر بوابة غزة وملف القطاع.
غزة وملف القطاع والصراع على الأرض ومصير "أصحاب الأرض" تفرض نفسها فرضاً اجتماعياً وغذائياً وثقافياً، وكذلك درامياً منذ بدء شهر الصيام، لعلها من المرات القليلة جداً، إن لم تكن النادرة، التي يعلن فيها عمل درامي رمضاني يؤرخ للتاريخ المعاصر جداً والمستمر سيطرته على قائمة "الأكثر إثارة للاهتمام والبحث والتعليق"، إن لم يكن الأكثر مشاهدة.
يطل مسلسل "صحاب الأرض" منذ أول أيام رمضان على ملايين المشاهدين في مصر والعالم العربي وغير العربي مؤرخاً لأحداث لم تنقض بعد، لكن من بوابة الدراما. الأعمال الدرامية "السياسية" الرمضانية التي حازت اهتمام المشاهدين، سلباً وإيجاباً، في الأعوام القليلة الماضية لم تعد ظاهرة جديدة.
أجزاء مسلسل "الاختيار" التي خرجت إلى النور عام 2020 أعادت فتح أبواب السياسة في رمضان، وذلك بعد انقضاء عقود على عرض مسلسل "دموع في عيون وقحة" الذي أدى بطولته الفنان عادل إمام وتأليف الراحل صالح مرسي في رمضان عام 1980، وتناول قصة جاسوسية من ملفات الاستخبارات العامة المصرية للعميل "جمعة الشوان" الذي خدع الموساد الإسرائيلي قبل حرب أكتوبر عام 1973، وكذلك الأجزاء الثلاثة من مسلسل جاسوسية آخر هو "رأفت الهجان" الذي عرض جزأه الأول في رمضان عام 1988، وتناول كذلك قصة جاسوسية من ملفات الاستخبارات العامة المصرية، وقام ببطولته الفنان الراحل محمود عبدالعزيز وتأليف صالح مرسي أيضاً.
هذه المرة، يفتح رمضان أبوابه أمام إعادة إنعاش الاهتمام الشعبي بقضية غزة المعلقة، والقضية الفلسطينية الموضوعة على خاصية التجميد، والمعرضة للإلغاء.
المسلسل أشبه بالأشعة المقطعية التي تلتقط صوراً دقيقة ومفصلة لما جرى وما زال في القطاع، وهي الصور التي تشكل تفاصيل الحياة اليومية منذ الحرب التي شنتها إسرائيل في أعقاب عملية السابع من أكتوبر 2023. تفاصيل الحياة اليومية للأطباء وطواقم التمريض، والنساء الحوامل، والأمهات، والأطفال المصابين، والمفقودين، وانتظار القصف، والمعاناة من عدم القدرة على النوم بسبب التهديد المستمر للقصف وذعر أصوات محركات الطائرات الإسرائيلية وأزيزها في الأجواء، ودفن المئات يومياً، وإعادة استخراج بعض الجثامين وتكدسها وغيرها يجري عرضه يومياً في رمضان.
يبرهن المسلسل على أن ما أحالته نشرات الأخبار بعيداً من شريط الأخبار العاجلة الراكض أسفل الشاشة، وما فقد مكانته باعتباره القضية الأكثر تعليقاً وشرحاً وطرحاً، وذلك بفعل طول أمد الصراع من جهة، وطبيعة البشر التي تفقد حس الإثارة وشغف الاهتمام مهما بلغت الأحداث من مأسوية، ولو بعد حين. التعرض المستمر للأخبار السيئة يدفع الغالبية إلى أن تفقد اهتمامها، أو تتجه للامبالاة أو تخدير المشاعر أو تعمد تجنب التعرض لها، وذلك تحت ضغط الإرهاق العاطفي والاستنزاف النفسي والعصبي.
"صحاب الأرض" مسلسل مصري بطولة مجموعة من الفنانين العرب من جنسيات مختلفة أبرزهم منة شلبي وإياد نصار وكمال الباشا وآدم بكري، وشارك في الإعداد له فنياً وإدارياً وموسيقياً مجموعة كبيرة من الشخصيات العربية أيضاً، أعاد قطاع غزة وأهله إلى صدارة الاهتمام، وعلى رغم أنها صدارة فنية رمضانية هذه المرة، فإنها أعادت إحياء الاهتمام الشعبي بغزة، ولو موقتاً.
هذا الاهتمام المنعكس في نسب المشاهدة المرتفعة، والحراك النقاشي على "السوشيال ميديا"، والتعليقات المائل معظمها إلى الثناء على العمل لقدرته على إضفاء وجه وقصة إنسانية على قسوة وجفاف وجفاء الأعداد والأرقام، يتحول في كل ليلة إلى قاعدة متابعة أكبر، لا لأحداث المسلسل فحسب، لكن لتتبع أثرها في الداخل الإسرائيلي.
المسلسل الذي يذاع مصحوباً بالترجمة الإنجليزية يؤدي إلى ردود فعل غاضبة من إسرائيل، وهي الردود التي يحرص كثر على البحث والتنقيب عنها، سواء في المواقع الإخبارية أو ضمن محتوى "السوشيال ميديا"، وإعادة نشرها، لدرجة أنها تحولت مكوناً رمضانياً يومياً يبحث عنه كثر.
قبل بدء رمضان بأيام، وقبل بداية عرض المسلسل، تطرقت وسائل إعلام إسرائيلية إلى مسلسل مصري عربي "عدائي منحاز ضد إسرائيل" ينتظر العرض في رمضان، وهو ما أسهم في الاهتمام العربي والمصري المبكر بدراما رمضان عن غزة.
ومع الدراما، والشاورما، والرواية، تستمر جهود إغاثية أخرى متخذة طابعاً رمضانياً، لتعيد القطاع إلى بؤرة اهتمام الناس في رمضان. فبين مؤسسات خيرية عدة ومجتمع مدني يتعاونان يومياً لإعداد وتقديم وجبات إفطار ساخنة للعابرين من وإلى القطاع عند الحدود المصرية ولمن يمكن توصيلها إليهم في داخل القطاع، وذلك من خلال المطبخ التابع لـ"الهلال الأحمر المصري" في الشيخ زويد (شمال سيناء)، وقوافل الإغاثة المستمرة من هنا إلى هناك.
في رمضان هذا العام تعيد 15 حلقة من "صحاب الأرض" ما تسببت الوفرة الخبرية المفرطة، وهلع "الخبر العاجل" حامل عداد القتلى والخراب في خفوت الاهتمام به، وتضاف إلى الحلقات صرعة إفطار غزة وسحورها، وعودة "كتاب رمضان الأدبي" للمناقشات الشعبية عبر رواية "السماء الثامنة"، مع استمرار قوافل الإغاثة، وانتعاش "مطبخ رمضان" في الشيخ زويد، لتخرج توليفة مصرية تمكنت من إعادة تسليط الضوء على غزة لحين إشعار آخر.