فوهات من الفضاء في قلب صحراء الجزائر
klyoum.com
أخر اخبار الجزائر:
تصنيف أندية العالم.. الهلال يتصدر عربيا والأهلي يقفز بعد الفوز على الزمالكقاعدة البيانات العالمية تحصي 1526 حجراً بينما تشير تقديرات الباحثين إلى 14 ألفاً موزعين في متاحف ومختبرات العالم نتيجة التهريب
عاد الحديث مجدداً عن النيازك في الجزائر بعد كشف باحثين عن أربعة مواقع وفوهات لاصطدام النيازك بالكرة الأرضية في صحراء البلاد، وأكدوا أن فوهة "أوركزيز" الموجودة في منطقة تندوف بالجنوب الغربي، والتي عمرها 10 آلاف سنة، هي حال جيولوجية استثنائية، مشيرين إلى أنها من بين المواقع الانتقالية النادرة في الكرة الأرضية، مما يتطلب تصنيفها من بين أجمل المواقع في العالم الواجب حمايتها.
يأخذ ملف النيازك في الجزائر حيزاً واسعاً من الاهتمام الرسمي والأكاديمي، وآخرها تنظيم ملتقى بعنوان "التراث الجيولوجي والمحافظة عليه"، والذي شهد حضور عدد كبير من الباحثين والجيولوجيين الذين أوضحوا أن دراسة بقايا المواد بموقع "أوركزيز" أثبتت أن تاريخ سقوط النيزك حديث ولا يتعدى 10 آلاف عام، على عكس ما كانت تعتقد دراسات وكالة "ناسا" الأميركية أنه يعود لـ70 مليون عام، وأشاروا إلى أن اقتراح تصنيف الموقع الذي تبلغ مساحته 3.5 كيلومتر مربع كأجمل موقع عالمي، يأتي بسبب أنه الوحيد القابل للدراسة ويسهل الدخول إليه عكس المواقع الانتقالية الأخرى الموجودة تحت الأرض أو تحت المياه.
وسلط الملقى الضوء على الثروة الجيولوجية التي تمتلكها الجزائر، ومنها الفوهات الأربع التي يعود اكتشاف أولها إلى عام 1955، ثم المواقع الثلاثة المتبقية بين 1963 و1980، وهي "أوركزيز" 10 آلاف عام وفوهة "تالمزان" و"تين بيدر" التي يعود تاريخها إلى نحو 66 مليون عام، ثم "أمقيد" التي عمرها يقدر بـ65 مليون عام، وأبرز الجيولوجيون أن وجود الفوهات في الصحراء الواسعة بعيداً من التجمعات السكانية، جعلها محميات بصورة طبيعية.
وباتت الدراسات والبحوث والملتقيات حول النيازك تتوالى في الجزائر، مما يكشف عن اهتمام كبير أصبحت توليه مختلف الجهات، إذ نشرت صحيفة "دايلي مايل" البريطانية عام 2023، تقريراً حول اكتشاف نيزك جزائري يقدر عمره بـ4.6 مليار عام، وقالت إن الأمر يتعلق بأقدم نيزك عثر عليه على الإطلاق، ويعود تاريخه إلى فترة زمنية قبل وجود الأرض.
وأضافت الصحيفة البريطانية أن هذا النيزك الذي يعرف باسم "عرق شيش 002" جرى اكتشافه في منطقة عرق شيش بالصحراء الجزائرية عام 2020، موضحة أنه يتكون بصورة رئيسة من الصخور البركانية، وأبرزت أن "هذا النيزك كان في الأصل عبارة عن حمم بركانية سائلة، ثم تجمدت على مر الزمن لتتصلب وتشكل القطعة التي وصلت في النهاية إلى كوكبنا".
وفي مايو (أيار) 2023، جرى رصد نيزك دخل الغلاف الجوي في سماء الجزائر، حيث شاهد المواطنون بقعة ضوئية سريعة المسار في أعالي ولاية المسيلة جنوب شرقي البلاد، وهو ما التقطته كاميرات الهواتف وتسارع تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبصورة واسعة، مما أعاد الجدال بقوة حول الظاهرة، مما دفع مركز البحث في علم الفلك والفيزياء الفلكية والفيزياء الأرضية، إلى إصدار بيان توضيحي، جاء فيه أن ما شوهد هو نيزك صغير لا يتعدى وزنه الـ10 كيلوغرامات، كان على شكل كرة نارية ساطعة جداً، أنتجت ذيلاً ضوئياً مستمراً دام ثوان عدة، ثم سقط.
وأوضح البيان أن النيزك التقطته قوة الجاذبية الأرضية ودخل الغلاف الجوي بسرعة فوق صوتية، مشيراً إلى أنه وفق الحسابات قدر ارتفاع الكرة النارية في أثناء الوميض الضوئي الأول بنحو 25 إلى 40 كيلومتراً في السماء، وطمأن المواطنين أن هذه الظاهرة الفلكية طبيعية تحدث بانتظام في العالم بوتيرة 10 مرات في العام تقريباً بطاقة النيزك الذي رصد نفسها، لافتاً إلى أن الظاهرة ليست لها أي علاقة بالنشاط الزلزالي.
وجود النيازك على كوكب الأرض يعود لملايين الأعوام، إلا أن الاهتمام بها في الجزائر كان عام 1864، أي خلال فترة الاستعمار الفرنسي، حين أعلنت المديرية العامة للمناجم آنذاك أنها عثرت على نيزك في منطقة البويرة شرق العاصمة الجزائر، وكان أول نيزك يعثر عليه في الجزائر.
وبعدها جرى العثور على آخر في منطقة دلس الساحلية شرق الجزائر عام 1865، ثم العثور على ثالث في العام ذاته بمنطقة أدرار جنوب غربي الجزائر، يزن نحو 510 كيلوغرامات، هو الآن معروض في المتحف الوطني الفرنسي للتاريخ بباريس، ويعد من بين أثقل النيازك عالمياً، واستمر الوضع بالعثور على نيزك من حين لآخر، ويصل عددها خلال فترة الاستعمار الفرنسي إلى 12، آخرها كان عام 1956 بمنطقة رقان في صحراء الجزائر.
لكن الاهتمام بالنيازك في الجزائر المستقلة بدأ عام 1989، وفي 1991 تمكن فريق ألماني من اكتشاف منطقة في الصحراء تسمى "العرق الأصفر" مرتفعة وتكسوها رمال وحجارة بيضاء، يسهل العثور فيها على النيازك، حيث تمكن أفراده خلال فترة وجيزة من جمع نحو 450 نيزكاً، من أهم النيازك المعروفة حالياً في أوساط العلماء في العالم.
وبعد نجاحات الألمان، توافدت بعثات علمية مختلفة من إيطاليا وفرنسا للبحث عن النيازك، وجرى العثور على كثير منها، غير أن معظمها خرج من الجزائر بطرق غير مشروعة.
وتعد صحراء الجزائر غنية بالنيازك، إذ يبلغ عددها المسجل رسمياً والتي سقطت في الجزائر نحو 1526 حجراً نيزكياً وفق قاعدة البيانات العالمية للنيازك، بينما تشير تقديرات الباحثين إلى وجود نحو 14 ألف حجر نيزكي جزائري موزع في المتاحف والمختبرات العالمية نتيجة عمليات التهريب، كما يكشف الباحث الجيولوجي جلول بلحاي، صاحب كتاب "النيازك والحفر النيزكية في الجزائر".
في حين يؤكد عضو الجمعية الجزائرية للفلك وعلوم الأرض، سالم سعد الدين، أن في صحراء بلاده أكثر من 10 آلاف قطعة نيزكية، سقطت على مر ملايين الأعوام السابقة، وما زالت المنطقة تستقبل بصورة متكررة نيازك.
ولم تسلم هذه الأحجار من المتاجرة والتهريب، وباتت تستهوي الشبكات الإجرامية من كل أنحاء العالم، على رغم الأسعار المرتفعة التي يطلبها البائعون أو الملتقطون في الصحارى، حيث جرى تحديد سعرها بنحو 14 دولاراً لكل 0.1 غرام، أي إن نيزك بـ200 غرام فقط يساوي 28 ألف دولار، وهو ما جعل مواقع التواصل الاجتماعي تعج بصفحات بيع الأحجار النيازكية.
وفي السياق يرى الباحث في جغرافيا القياسات عبدالنور خديري، أن القطع النيزكية الجزائرية باتت في قبضة عصابات تهريب تتلقى مبالغ كبيرة من أجل إخراج هذه القطع عبر الحدود وبتوجيهات مدروسة عبر الأقمار الاصطناعية، مشيراً إلى أن هذه العصابات تنشط على المستوى الدولي وترصد وفق دراسات عميقة، أماكن وجود تلك المجسمات والقطع النيزكية، باستعمال تكنولوجيا حديثة وخرائط مدروسة قبل إغراء الشباب لتهريبها وبيعها بأثمان تصل إلى آلاف الدولارات، لكنها تبقى أقل من قيمتها بكثير.
وحسب مصالح الأمن، وفي آخر عملياتها، جرى حجز أكثر من 1500 قطعة حجرية نيزكية من أنواع "الكوندريت" و"الأكوندريت"، بوزن يتجاوز 300 كيلوغرام، وذلك في منطقة تيميمون بصحراء البلاد، في عملية ضبط وصفت بالقياسية.
ومن أجل حماية هذه الكنوز والثروة الطبيعية، تنظم الجزائر جمع النيازك واستغلالها بموجب القوانين المنظمة للنشاط المنجمي الصادرة في أغسطس (أب) 2025، حيث تعد النيازك ملكاً تاماً للدولة الجزائرية، وليست ملكاً لمن يجدها، كذلك يحظر تماماً جمع النيازك أو نقلها أو حيازتها أو بيعها أو استغلالها من الحصول على ترخيص رسمي مسبق من وكالة المصلحة الجيولوجية.
ويشدد القانون على أن رخص البحث تمنح لمدة محدودة تصل إلى عامين للباحثين أو المستثمرين المؤهلين، كذلك يلزم حاملي الترخيص بتسليم عينات من النيازك المكتشفة إلى المتحف الجيولوجي الوطني، حيث تصنف وتوثق وتحفظ رسمياً كتراث جيولوجي، مع إمكان تسجيلها في المتاحف والمواقع العلمية العالمية، ويشير إلى أنه يسمح ببيع النيازك وفق شروط قانونية دقيقة وتحت رقابة الدولة المباشرة.
ويواجه كل من يقوم بالبحث أو التنقيب أو جمع أو بيع النيازك بطريقة غير قانونية، أي من دون ترخيص، عقوبات بالحبس من ستة أشهر إلى عام، وغرامات مالية تراوح ما بين 500 ألف دينار جزائري، نحو 4 آلاف دولار، ومليون دينار، ما يعادل 7.9 ألف دولار، وحجز الكميات المضبوطة.